وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ بَيْعٌ جَائِزٌ: لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ اسْتِثْنَاءُ رُبْعِهَا ، وَالرُّبْعُ مَجْهُولُ الْكَيْلِ كَانَ اسْتِثْنَاءُ مَا هُوَ مَعْلُومُ الْكَيْلِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ . وَدَلِيلُنَا عَلَى فَسَادِهِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أَنَّهُ نَهَى عَنِ الثُّنْيَا فِي الْبَيْعِ"وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا . وَلِأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ يُوقِعُ جَهَالَةً فِي الْبَيْعِ: لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ قَدْرُ مَا خَرَجَ بِالِاسْتِثْنَاءِ ، هَلْ هُوَ عُشْرٌ أَوْ رُبْعٌ ، وَلَا مَا بَقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ ، هَلْ هُوَ تِسْعَةُ أَعْشَارٍ أَوْ أَقَلُّ ، وَالْمَبِيعُ إِذَا كَانَ مَجْهُولًا بَطَلَ الْبَيْعُ . وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَهْلَكَ الثَّمَرَةُ إِلَّا قَدْرَ مَا اسْتَثْنَيَا ، فَيَخْتَلِفَانِ هَلْ هُوَ الْمَبِيعُ أَوِ الْمُسْتَثْنَى ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ الْمَبِيعُ مِنَ الْمُسْتَثْنِي كَانَ بَاطِلًا ، وَهَذَا مَأْمُونٌ فِي اسْتِثْنَاءِ جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهَا: لِأَنَّ التَّالِفَ مِنْهَا وَالْبَاقِي فِيهَا . وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَن يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مَجْهُولًا وَالْمَبِيعُ بَعْدَهُ مَعْلُومًا ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الثَّمَرَةِ مِائَةَ صَاعٍ وَالْبَاقِي لِي ، فَإِنْ عَلِمَا أَنَّ مَا فِيهَا مِائَةُ صَاعٍ فَصَاعِدًا صَحَّ الْبَيْعُ إِنْ أَمْكَنَ كَيْلُ الثَّمَرَةِ ، وَبَطَلَ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَيْلُهَا ، وَلَا يَصِحُّ الْخَرْصُ فِيهَا ، وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ بِالْخَرْصِ لَا يَجُوزُ ، لِأَنَّهُ تَخْمِينٌ وَحَدْسٌ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي حَقِّ الْمَسَاكِينِ لِأَنَّهُ مُوَاسَاةٌ . وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا أَنَّ مَا فِي الثَّمَرَةِ مِائَةُ صَاعٍ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا لِلْجَهْلِ بِوُجُودِ الْمَبِيعِ ، فَلَوْ كِيلَتْ مِنْ بَعْدُ فَكَانَتْ مِائَةَ صَاعٍ فَصَاعِدًا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بَعْدَ فَسَادِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ: فَإِذَا بَاعَ ثَمَرَةَ حَائِطٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَاسْتَثْنَى مِنْهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَإِنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بِسِعْرِ مَا بَاعَ في حائطه صَحَّ الْبَيْعُ ، وَكَانَ كَاسْتِثْنَاءِ رُبْعِهَا ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا: لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بِسِعْرٍ زَائِدًا أَوْ نَاقِصًا ، فَيَصِيرُ الِاسْتِثْنَاءُ مَجْهُولًا وَالْمَبِيعُ الْبَاقِي مَجْهُولًا ، فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ ثَمَرَةَ هَذَا النَّخْلِ إِلَّا النَّوْعَ الْمَعْقِلِيَّ فَإِنْ شَاهَدَا الْمَعْقِلِيَّ الْمُسْتَثْنَى وَعَلِمَا قَدْرَهُ صَحَّ الْبَيْعُ ، وَإِنْ جَهِلَاهُ فَسَدَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ: وَلَوْ بَاعَ قُطْنًا وَاسْتَثْنَى حَبَّهُ حكم بيع من ، أَوْ سِمْسِمًا وَاسْتَثْنَى كُسْبَهُ ، أَوْ شَاةً وَاسْتَثْنَى جِلْدَهَا ، كَانَ الْبَيْعُ فِي هَذَا كُلِّهِ بَاطِلًا: لِأَنَّ الْبَيْعَ بَعْدَمَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ يَصِيرُ غَيْرَ مَعْلُومٍ بِالْمُشَاهَدَةِ ، وَلَا مُقَيَّدًا بِالصِّفَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"وَإِنْ بَاعَ ثَمَرَ حَائِطٍ ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ ، فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي أَنْ يَأْخُذَ مَا جَاوَزَ الصَّدَقَةَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ أَوِ الرَّدِّ . وَالثَّانِي: إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْفَضْلَ عَنِ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوِ الرَّدِّ ، وَلِلسُّلْطَانِ أَخْذُ الْعُشْرِ مِنَ الثَّمَرَةِ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِيمَنِ اشْتَرَى مَا فِيهِ الزَّكَاةُ أَنَّهُ يَجْعَلُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْبَيْعَ فِيهِ بَاطِلٌ وَلَمْ يَقُلْهُ هَاهُنَا".