فهرس الكتاب

الصفحة 2165 من 8432

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ لَا خِيَارَ لَهُ لِفَسَادِ الشَّرْطِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ لَهُ الْخِيَارُ: لِأَنَّ فَسَادَ الشَّرْطِ يَمْنَعُ مِنْ لُزُومِهِ وَلَا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْخِيَارِ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا لَمْ يَلْزَمْ وَأَوْجَبَ خِيَارَ الْبَائِعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"وَلَوْ قَبَضَهَا فَأَعْتَقَهَا لَمْ يَجُزْ عِتْقُهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ . إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا شِرَاءً فَاسِدًا إِمَّا لِجَهَالَةِ ثَمَنِهِ ، وَإِمَّا لِفَسَادِ شَرْطِهِ ، وَإِمَّا لِتَحْرِيمِ ثَمَنِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ قَبْضَهُ ، فَإِنْ قَبَضَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْقَبْضِ وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ بَعْدَ الْقَبْضِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عِتْقٍ ، كَانَ بَاطِلًا مَرْدُودًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمَقْبُوضُ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ قَدْ مَلَكَهُ مِلْكًا ضَعِيفًا ، فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عِتْقٍ قَوِيٍّ مَلَكَهُ وَنَفَذَ تَصَرُّفُهُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَسَادُ الْعَقْدِ: لِأَنَّ ثَمَنَهَا مِمَّا لَا يَتَمَوَّلُ بِحَالٍ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِعَائِشَةَ أَنْ تَشْتَرِيَهَا عَلَى الشَّرْطِ الْفَاسِدِ ، ثَمَّ أَمْضَى عِتْقَهَا وَأَنْفَذَ تَصَرُّفَهَا . قَالَ: وَلِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِعَقْدٍ وُجِدَ فِيهِ التَّسَلُّطُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْفُذَ فِيهِ تَصَرُّفُهُ كَالْمَقْبُوضِ عَنْ عَقْدٍ صَحِيحٍ . وَلِأَنَّ الْعَقْدَ فِي النِّكَاحِ مَوْضُوعٌ لِمِلْكِ الْبُضْعِ كَمَا أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ مَوْضُوعٌ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ فَلَمَّا تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ أَحْكَامُ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ . قَالُوا: وَلِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ يُوجِبُ إِزَالَةَ مِلْكِ السَّيِّدِ كَمَا أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يُوجِبُ إِزَالَةَ مِلْكِ الْبَائِعِ ، فَلَمَّا اسْتَوَى حُكْمُ الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ فِي حُصُولِ الْعِتْقِ فِيهَا وَإِزَالَةِ الْمِلْكِ بِهَا ، وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ فِي نُفُوذِ التَّصَرُّفِ وَزَوَالِ الْمِلْكِ ، وَهَذَا خَطَأٌ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [ الْبَقَرَةِ: ] . فَلَوْ كَانَ الْمَقْبُوضُ بِالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ الْمُحَرَّمَةِ يَكُونُ مَمْلُوكًا مَا اسْتَحَقَّ الْوَعِيدَ عَلَيْهِ بِأَكْلِهِ ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ الْوَعِيدُ إِلَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصِرَّ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَنْ بَيْعٍ فَاسِدٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْفُذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ . أَصْلُهُ إِذَا ابْتَاعَهُ بِمَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ . وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِهِ إِذَا عَقَدَ بِمَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ لَمْ يَحْصُلِ الْمِلْكُ بِهِ إِذَا عَقَدَ بِخِنْزِيرٍ أَوْ خَمْرٍ كَالَّذِي لَمْ يَقْبِضْ ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَصْلٍ لَزِمَ رَدُّهُ بِنَمَائِهِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لِمَنْ لَزِمَهُ رَدُّهُ كَالْغَصْبِ الْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ . وَلِأَنَّ كُلَّ قَبْضٍ أَوْجَبَ ضَمَانَ الْقِيمَةِ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْمِلْكُ . أَصْلُهُ إِذَا أَقْبَضَهُ عَنْ بَيْعٍ فَاسِدٍ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ عِنْدَهُ يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْمِلْكِ فِي الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ مَعًا . وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ وَالْهِبَةِ بِالْقَبْضِ ، فَلَمَّا لَمْ يَنْتَقِلِ الْمِلْكُ بِالْهِبَةِ عَنِ الْقَبْضِ إِلَى الْعَقْدِ لَمْ يَنْتَقِلِ الْمِلْكُ بِالْبَيْعِ عَنِ الْعَقْدِ إِلَى الْقَبْضِ . وَلِأَنَّ كُلَّ مِلْكٍ مَا قُبِضَ عَنْ بَيْعٍ فَاسِدٍ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْعَقْدِ أَوْ بِالْقَبْضِ أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ بِالْعَقْدِ وَحْدَهُ: لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت