فهرس الكتاب

الصفحة 2201 من 8432

وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ شِرَاءٌ وَقَرْضٌ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: قَدِ اشْتَرَيْتُ عَبْدَكَ هَذَا بِمِائَةٍ عَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي مِائَةً ، فَهَذَا شَرْطٌ بَاطِلٌ وَقَرْضٌ بَاطِلٌ: لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعْنَى . وَكَذَا لَا تَجُوزُ الْإِجَازَةُ بِشَرْطِ الْقَرْضِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُسَلِّفَهُ مَائَةً عَلَى أَنْ يَقْضِيَهُ خَيْرًا مِنْهَا ، حكمه وَلَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا فِي بَلَدِ كَذَا ، وَلَوْ أَسْلَفَهُ إِيَّاهَا بِلَا شَرْطٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْكُرَهُ فَيَقْضِيَهُ خَيْرًا مِنْهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ . أَمَّا الْقَرْضُ فَإِنَّمَا سُمِّيَ قَرْضًا: لِأَنَّ الْمُقْرِضَ يَقْطَعُ قِطْعَةً مِنْ مَالِهِ فَيَدْفَعُهَا إِلَى الْمُقْتَرِضِ . وَالْقَطْعُ فِي كَلَامِهِمْ هُوَ الْقَرْضُ ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: ثَوْبٌ مَقْرُوضٌ ؛ أَيْ: مَقْطُوعٌ ، وَسُمِّيَ الْمِقْرَاضُ مِقْرَاضًا ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ . وَالْقَرْضُ مَعُونَةٌ وَإِرْفَاقٌ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ وَإِبَاحَتِهِ القرض: مَا رَوَى عَطَاءٌ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَرَضَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَرَدَّ رَبَاعِيًّا ، وَقَالَ: خِيَارُ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً . وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: اسْتَقْرَضَ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا ، ثُمَّ أَتَى بِمَالٍ فَقَالَ: ادْعُوا لِيَ ابْنَ أَبِي رَبِيعَةَ فَقَالَ: هَذَا مَالُكَ فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي مَالِكَ وَوَلَدِكَ ، إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْوَفَاءُ . وِرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَرَضَ مِنْ رَجُلٍ صَاعًا فَرَدَّ عَلَيْهِ صَاعَيْنِ . وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً . فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ إِذَا لَمْ يَجُرَّ مَنْفَعَةً . فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْقَرْضِ وصوره فَهُوَ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ الْمَنْقُولَةِ ، فَأَمَّا مَا لَا يُنْقَلُ مِنَ الدُّورِ وَالْعَقَارِ وَالضِّيَاعِ فَلَا يَجُوزُ قَرْضُهَا اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِيهَا ، وَإِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِإِعَارَتِهَا ، وَإِنَّ ثُبُوتَهَا فِي الذِّمَمِ لَا يَصِحُّ . فَأَمَّا الْأَمْوَالُ الْمَنْقُولَةُ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا كَانَ لَهُ مِثْلٌ ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ ، فَقَرْضُ هَذَا يَصِحُّ وَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى مُقْتَرِضِهِ بِمِثْلِهِ وَصِفَتِهِ وَقَدْرِهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا مِثْلَ لَهُ ، وَلَكِنْ يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ ، كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ ، فَقَرْضُ ذَلِكَ جَائِزٌ إِلَّا الْجَوَارِي فَإِنَّ قَرْضَهُنَّ لَا يَجُوزُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، وَبِمَاذَا يَصِيرُ هَذَا الضَّرْبُ مَضْمُونًا عَلَى مُقْتَرِضِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ كَالْمَغْصُوبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت