فهرس الكتاب

الصفحة 2202 من 8432

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ: لِأَنَّهُ يَصِحُّ ثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ إِذَا وُصِفَ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَرَضَ حَيَوَانًا فَرَدَّ حَيَوَانًا . وَلِأَنَّ الْقَرْضَ إِرْفَاقٌ وَمَعُونَةٌ فَبَايَنَ حُكْمُ الْمَغْصُوبِ بِالْمُفَاضَلَةِ . وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا لَا مِثْلَ لَهُ ، وَلَا يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ ، كَاللُّؤْلُؤِ وَالْجَوْهَرِ وَالْمَعْجُونَاتِ مِنْ طِيبٍ أَوْ دَوَاءٍ وَالْخُبْزِ وَالْبُرِّ الْمُخْتَلِطِ بِالشَّعِيرِ ، فَهَذَا وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ فِي جَوَازِ قَرْضِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ ، أَنَّ قَرْضَهُ بَاطِلٌ: لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ بِمِثْلٍ وَلَا صِفَةٍ فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِقْرَارُهُ فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ . فَتَكُونُ الْعِلَّةُ فِيمَا يَصِحُّ قَرْضُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ ، وَمَا لَا يَصِحُّ قَرْضُهُ هُوَ مَا لَا يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ ، أَنَّ قَرْضَهُ جَائِزٌ: لِأَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ ، وَجَعَلُوا الْعِلَّةَ فِيمَا يَجُوزُ قَرْضُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى مُقْتَرِضِهِ بِالْقِيمَةِ وَجْهًا وَاحِدًا . وَفِي اعْتِبَارِ زَمَانِ مَا ضُمِنَ مِنَ الْقَرْضِ بِالْقِيمَةِ ؛ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ قِيمَتَهُ مُعْتَبَرَةٌ وَقْتَ قَبْضِهِ . وَهَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَرْضَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ قِيمَةً مِنْ حِينِ قَبْضٍ إِلَى حِينِ تَصَرُّفٍ . وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْقَرْضَ يُمْلَكُ بِالتَّصَرُّفِ . فَصْلٌ: فَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَنَعَ مِنْ جَوَازِ قَرْضِهِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ السَّلَفَ فِيهِ لَا يَجُوزُ . وَالدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ قَرْضِهِ مَعَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جَوَازِ السَّلَمِ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَرَضَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا وَرَدَّ عَلَيْهِ جَمَلًا رَبَاعِيًّا . وَلِأَنَّ كُلَّ عَيْنٍ صَحَّ أَنْ تَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ صَدَاقًا صَحَّ أَنْ تَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ قَرْضًا وَسَلَمًا كَالثِّيَابِ . وَلِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتَرِضَهُ لِلْمَسَاكِينِ ، جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْتَرِضَهُ لِنَفْسِهِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ لِلْوَالِي أَنْ يُقْرِضَ الْحَيَوَانَ لِلْمَسَاكِينِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ: وَأَمَّا الْجَوَارِي ، فَإِنَّ الْمُزَنِيَّ وَدَاوُدَ وَابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ يُجِيزُونَ قَرْضَهُنَّ كَمَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِنَّ . وَهَذَا خَطَأٌ: لِأَنَّ مِلْكَ الْقَرْضِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ: لِأَنَّ لِلْمُقْرِضِ اسْتِرْجَاعَهُ وَلِلْمُقْتَرِضِ رَدَّهُ ، وَالْوَطْءُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي مِلْكٍ تَامٍّ ، لِأَنْ لَا يَصِيرَ الْإِنْسَانُ مُسْتَبِيحًا لِلْوَطْءِ بِغَيْرِ بَدَلٍ ، وَلَيْسَ هَذَا كَالْأَبِ إِذَا وَهَبَ جَارِيَةً لِوَلَدِهِ فِي جَوَازِ الْهِبَةِ مَعَ جَوَازِ اسْتِرْجَاعِ الْأَبِ لَهَا: لِأَنَّ مِلْكَ الْأَبِ قَدِ انْقَطَعَ بِالْهِبَةِ وَإِنَّمَا يُسْتَحْدَثُ مِلْكُهَا بِالِاسْتِرْجَاعِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت