فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي مُخَاصَمَةِ كُلِّ خَصْمٍ يَحْدُثُ لَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهَا وَكَالَةٌ بَاطِلَةٌ لِمَا يَتَضَمَّنُهَا مِنَ الْجَهَالَةِ بِالْمُوَكَّلِ فِيهِ وَأَنَّهَا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ فِي الْحَالِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهَا وَكَالَةٌ جَائِزَةٌ ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ فَلَمْ تَبْطُلْ بِالْجَهَالَةِ ، وَلِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِالْحَادِثِ الْمَجْهُولِ .
فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ: قَدْ وَكَّلْتُكَ فِي اسْتِيفَاءِ مَالِي عَلَى زَيْدٍ فَمَاتَ زَيْدٌ جَازَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ وَارِثِهِ . فَلَوْ قَالَ: قَدْ وَكَّلْتُكَ فِي اسْتِيفَاءِ مَالِي مِنْ زَيْدٍ فَمَاتَ زَيْدٌ لَمْ يَجُزْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ وَارِثِهِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ مَا عَلَى زَيْدٍ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْمَالِ فَجَازَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ ، وَالْأَمْرَ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ زَيْدٍ مُتَوَجِّهٌ إِلَى زَيْدٍ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَوْفَى مِنْهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ غَيْرِهِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْمُزَنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَإِنْ وَكَّلَهُ بِخُصُومَةٍ فَإِنْ شَاءَ قَبِلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، فَإِنْ قَبِلَ فَإِنْ شَاءَ فَسَخَ وَإِنْ شَاءَ ثَبَتَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَعَقْدُ الْوَكَالَةِ إِرْفَاقٌ وَمَعُونَةٌ فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ دُونَ اللَّازِمَةِ لِأَنَّ مَا لَزِمَ مِنْ عُقُودِ الْمَنَافِعِ افْتَقَرَ إِلَى مُدَّةٍ يَلْزَمُ الْعَقْدُ إِلَيْهَا ، وَصِفَةُ الْعَمَلِ الَّذِي يَسْتَوْفِي بِهَا كَالْإِجَارَةِ فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ تَقْرِيرُهَا بِمُدَّةِ الِاسْتِيفَاءِ مَا تَضَمَّنَهَا مِنْ صِفَةٍ دَلَّ عَلَى جَوَازِهَا دُونَ لُزُومِهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ تَطَوُّعًا أَوْ بِعِوَضٍ ، إِلَّا أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا فَهِيَ مَعُونَةٌ مَحْضَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِوَضٍ فَهِيَ فِي مَعْنَى الْجَعَالَةِ . وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا فَالْوَكِيلُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ قَبُولِ الْوَكَالَةِ وَرَدِّهَا . وَقَبُولُهُ إِنْ قَبِلَ عَلَى التَّرَاخِي دُونَ الْفَوْرِ عَلَى مَا مَضَى ، فَإِذَا قَبِلَهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ ثَبَتَ عَلَى الْوَكَالَةِ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْمُخَاصَمَةِ وَالْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا . وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ فِي رُجُوعِهِ إِضْرَارٌ بِالْمُوَكِّلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَّا بِحُضُورِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِضْرَارٌ جَازَ لَهُ الرُّجُوعُ بِغَيْرِ حُضُورِهِ .