فهرس الكتاب

الصفحة 3280 من 8432

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْأَصْلِ: وَهُوَ أَنْ يَقَعَ الشَّكُّ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ ، هَلْ يُسْتَحْصَدُ الزَّرْعُ فِيهَا كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ لِزَرْعِ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيرِ ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَبَعْضِ السِّنِينَ ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُسْتَحْصَدَ ، فَيَكُونُ حُكْمُ هَذَا الْقِسْمِ حُكْمَ مَا عُلِمَ أَنَّهُ يُسْتَحْصَدُ فِيهِ ، وَيَكُونُ حُكْمُ هَذَا الْقِسْمِ حُكْمَ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُسْتَحْصَدُ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى إِسْقَاطًا لِلشَّكِّ وَاعْتِبَارًا بِالْيَقِينِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَإِذَا تَكَارَى الْأَرْضَ الَّتِي لَا مَاءَ لَهَا إِنَّمَا يُسْقَى بِنُطَفِ سَمَاءٍ ، أَوْ بِسَيْلٍ إِنْ جَاءَ ، فَلَا يَصِحُّ كِرَاؤُهَا إِلَّا عَلَى أَنْ يُكْرِيَهُ إِيَّاهَا أَرْضًا بَيْضَاءَ لَا مَاءَ لَهَا يَصْنَعُ بِهَا الْمُسْتَكْرِي مَا شَاءَ فِي سَنَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَبْنِي وَلَا يَغْرِسُ ؛ فَإِذَا وَقَعَ عَلَى هَذَا صَحَّ الْكِرَاءُ وَلَزِمَهُ زَرَعَ أَوْ لَمْ يَزْرَعْ ؛ فَإِنْ أَكْرَاهُ إِيَّاهَا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا ، وَلَمْ يَقُلْ: أَرْضًا بَيْضَاءَ لَا مَاءَ لَهَا وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهَا لَا تُزْرَعُ إِلَّا بِمَطَرٍ أَوْ سَيْلٍ يَحْدُثُ ، فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ إِجَارَةَ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ لَا تَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا مَاءٌ قَائِمٌ يَغْتَذِي بِهِ الزَّرْعُ ، فَإِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ بَيْضَاءَ لَا مَاءَ لَهَا ، وَإِنَّمَا تُسْقَى بِمَا يَحْدُثُ مِنْ نُطَفِ سَمَاءٍ مِنْ مَطَرٍ ، أَوْ طَلٍّ ، أَوْ بِحُدُوثِ سَيْلٍ مِنْ زِيَادَةِ وَادٍ أَو نَهْرٍ ، فَلَا تَصِحُّ إِجَارَتُهَا لِلزَّرْعِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: أُجَّرْتُهَا عَلَى أَنَّهَا أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَا مَاءَ لَهَا لِتَصْنَعَ بِهَا مَا شِئْتَ عَلَى أَنْ لَا تَبْنِيَ ، وَلَا تَغْرِسَ: لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَشْرُطْ هَذَا - وَقَدِ اسْتَأْجَرَهَا لِلزَّرْعِ - تَوَهَّمَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ مُلْتَزِمٌ بِحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ نَهْرٍ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ التَّمْكِينِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ شَرْطٍ يَنْفِي هَذَا التَّوَهُّمَ ، وَيُزِيلُ هَذَا الِاحْتِمَالَ ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَا يَخْلُو حَالُ الْعَقْدِ في إجارة الأرض البيضاء التى لاماء لها مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُشْتَرَطَ أَنْ لَا مَاءَ لَهَا ، فَالْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَزْرَعَهَا وَلَا يَغْرِسَهَا ، وَيَحْفِرَ فِيهَا لِلزَّرْعِ بِئْرًا إِنْ شَاءَ ، وَعَلَيْهِ طَمُّهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُشْتَرَطَ أَنَّ لَهَا مَاءً ، وَهُوَ مَا يَحْدُثُ مِنْ سَيْلٍ ، أَوْ مَطَرٍ فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ: لِأَنَّ السَّيْلَ وَالْمَطَرَ قَدْ يَحْدُثُ ، وَقَدْ لَا يَحْدُثُ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ الْعَقْدَ ، فَلَا يَشْرُطُ أَنَّهَا بَيْضَاءُ لَا مَاءَ لَهَا ، وَلَا يَشْرُطُ أَنَّ لَهَا مَاءً يَحْدُثُ ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْأَرْضِ مِنْ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ رَخْوَةً يُمْكِنُ حَفْرُ بِئْرٍ فِيهَا ، أَوْ شُقُّ نَهْرٍ إِلَيْهَا ، فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ لِمَا فِيهَا مِنَ احْتِمَالِ الْتِزَامِ الْمُؤَجِّرِ لِذَلِكَ . وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ صُلْبَةً لَا يُمْكِنُ حَفْرُ بِئْرٍ فِيهَا ، وَلَا شِقُّ نَهْرٍ إِلَيْهَا كَأَرَاضِي الْجِبَالِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُهُ أَنَّ إِجَارَتَهَا مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ وَإِطْلَاقِ الْعَقْدِ جَائِزَةٌ: لِأَنَّ اسْتِحَالَةَ ذَلِكَ فِيهَا يُغْنِي عَنِ الشَّرْطِ ، وَيَقُومُ مَقَامَهُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت