فهرس الكتاب

الصفحة 3637 من 8432

"إِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِمِائَةِ دِينَارٍ لَهُ حَاضِرَةٍ وَتَرَكَ غَيْرَهَا أَلْفَ دِينَارٍ دَيْنًا غَائِبَةً: فَالْوَرَثَةُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْوَصِيَّةِ بِالْمِائَةِ كُلِّهَا عَاجِلًا ، سَوَاءٌ أَمَضَى الدَّيْنَ وَسَلَّمَ الْغَائِبَ أَمْ لَا ، وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمُوا ثُلُثَ الْمِائَةِ الْحَاضِرَةِ وَثُلُثَ الدَّيْنِ مِنَ الْمَالِ الْغَائِبِ وَيَصِيرُ الْمُوصَى لَهُ بِالْمِائَةِ شَرِيكًا بِالثُّلُثِ فِي كُلِّ التَّرِكَةِ وَإِنْ كَثُرَتْ وَسُمِّيَ ذَلِكَ خَلْعَ الثُّلُثِ ، وَاسْتِدْلَالًا بِأَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ مَالِهِ ، فَإِذَا غَيَّرَ الْوَصِيَّةَ فِي بَعْضِهِ ، فَقَدْ أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَيْهِمْ بِتَعْيِينِهِ ، فَصَارَ لَهُمُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْتِزَامِ الضَّرَرِ بِالتَّعْيِينِ وَبَيْنَ الْعُدُولِ إِلَى مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ ، فَهَذَا دَلِيلُ مَالِكٍ وَمَا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْقَوْلِ . وَاسْتَدَلَّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ بِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُوصِي لِلْمِائَةِ الْحَاضِرَةِ مِنْ جُمْلَةِ التَّرِكَةِ الْغَائِبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْقَبُولِ لِلْجَانِي إِذَا تَعَلَّقَتِ الْجِنَايَةُ فِي رَقَبَتِهِ فَسَيِّدُهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ ، أَوْ تَسْلِيمِهِ . فَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَدَلِيلَاهُ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الْمِائَةِ الْحَاضِرَةِ ، وَثُلُثَاهَا الْبَاقِي مَوْقُوفٌ عَلَى قَبْضِ الدَّيْنِ وَوُصُولِ الْغَائِبِ ، لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ الْوُرَّاثُ وَلَا الْمُوصَى لَهُ ، وَإِذَا قُبِضَ الدَّيْنُ وَوَصَلَ مِنَ الْغَائِبِ مَا يُخْرِجُ الْمِائَةَ كُلَّهَا مِنْ ثُلُثِهِ أُمْضِيَتِ الْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ الْمِائَةِ . وَإِنْ وَصَلَ مَا يُخْرِجُ بَعْضَهَا أُمْضِيَ قَدْرُ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ مِنْهَا ، فَإِنْ بَرِئَ الدَّيْنُ وَقَدِمَ الْغَائِبُ ، اسْتَقَرَّتِ الْوَصِيَّةُ فِي ثُلُثِ الْمِائَةِ الْحَاضِرَةِ وَتَصَرَّفَ الْوَرَثَةُ فِي ثُلُثَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ جَمِيعَ التَّرِكَةِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا إِذَا انْتُظِرَ بِالْوَصِيَّةِ قَبْضُ الدَّيْنِ وَوُصُولُ الْغَائِبِ ، هَلْ يُمَكَّنُ الْمُوصَى لَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي ثُلُثِ الْمِائَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ ثُلُثٌ مَحْضٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَرَّفَ الْمُوصَى لَهُ فِيمَا لَا يَتَصَرَّفُ الْوَرَثَةُ فِي مِثْلَيْهِ ، وَقَدْ مُنِعَ الْوَرَثَةُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي ثُلُثِ الْمِائَةِ الْمَوْقُوفِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ الْمُوصَى لَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الثُّلُثِ الْمَمْضِيِّ . وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهُ يَئُولُ إِلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ بِمَنْعِ الْوَصِيَّةِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا خُيِّرَ الْوَرَثَةُ بَيْنَ الْتِزَامِ الْوَصِيَّةِ فِي ثُلُثِ كُلِّ التَّرِكَةِ ، أَوْ إِمْضَاءِ الْوَصِيَّةِ فِي كُلِّ الْمِائَةِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ خَارِجٌ عَنْ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ ، لِأَنَّهُمْ إِذَا اخْتَارُوا مَنْعَهُ مِنْ كُلِّ الْمِائَةِ ، فَقَدْ أَلْزَمَهُمْ ثُلُثُ كُلِّ التَّرِكَةِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُوصًى لَهُ ،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت