فهرس الكتاب

الصفحة 3680 من 8432

بَابُ مَا يَكُونُ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ ؛ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ . ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ . وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِعَمْرٍو فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ: أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ . وَالثَّانِي وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ: أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ . وَالثَّالِثُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنٍ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تَصِحُّ لِوَاحِدٍ مِنْهَا لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا . وَالرَّابِعُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبَى حَنِيفَةَ: أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ . وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا . وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ:"قَدْ أَوْصَيْتُ بِعَبْدِي هَذَا لِزَيْدٍ وَأَوْصَيْتُ بِهِ لِعُمَرَ"، كَانَ بَيْنَهُمَا إِجْمَاعًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَاخَى بَيْنَ الْوَصِيَّتَيْنِ وَأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا حِجَابًا ؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ اقْتِرَانِ الْوَصِيَّتَيْنِ وَبَيْنَ اقْتِرَانِهِمَا . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ ، ثُمَّ أَوْصَى بَعْدَ زَمَانٍ بِثُلُثِ مَالِهِ لِعَمْرٍو وَأَنَّ الثُّلُثَ إِذَا لَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ يَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَصِيَّةِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ رُجُوعًا ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِنِسْيَانِ الْأُولَى ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا التَّشْرِيكَ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ مَعَ هَذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت