فهرس الكتاب

الصفحة 3683 من 8432

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ رُجُوعَ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ وَرُجُوعَ الْبَائِعِ عَلَى الْمُفْلِسِ بِعَيْنِ مَالِهِ حَقٌّ لَهُمَا ، لَيْسَ لِلِابْنِ وَلَا لِلْمُفْلِسِ إِبْطَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْعُهُمَا وَعَوْدُهُ إِلَى مِلْكِهِمَا مَانِعًا مِنَ الرُّجُوعِ بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ لِلْمُوصِي إِبْطَالُهَا ، فَإِذَا بَطَلَتْ بِالْبَيْعِ لَمْ تَعُدْ بِالشِّرَاءِ . وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ الْمُوصِيَ عَرَضَ ذَلِكَ لِلْبَيْعِ ، فَفِي كَوْنِهِ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّ تَعْرِيضَهُ لِلْبَيْعِ دَلِيلٌ عَلَى قَصْدِهِ لِلرُّجُوعِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ . فَأَمَّا إِذَا أَوْصَى أَنْ يُبَاعَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ بِيعُوهُ بَعْدَ مَوْتِي ، وَلَمْ يَذْكُرْ بِكُمْ يُبَاعُ وَلَا عَلَى مَنْ يُبَاعُ ، فَالْوَصِيَّةُ بِهَذَا الْبَيْعِ بَاطِلَةٌ وَالْوَرَثَةُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءُوا بَاعُوهُ وَإِنْ شَاءُوا تَمَسَّكُوا بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ مَنْ تَصِحُّ لَهُ الْوَصِيَّةُ فِيهِ ، لَكِنْ يُسْتَفَادُ بِذَلِكَ إِبْطَالُ الْوَصِيَّةِ وَأَنْ تَكُونَ مِلْكًا لِوَرَثَتِهِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُوصِيَ بِبَيْعِهِ عَلَى زَيْدٍ بِثَمَنٍ ذَكَرَهُ يُعْلَمُ أَنَّ فِيهِ مُحَابَاةً فَالْوَصِيَّةُ بِهَذَا الْبَيْعِ جَائِزَةٌ ، ثُمَّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَكُونَ رُجُوعًا عَنِ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقُولُ: إِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْوَصِيَّتَيْنِ جَمِيعًا كَمَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِزَيْدٍ ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِعَمْرٍو . قَالَ: وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمُحَابَاةِ فِي الثَّمَنِ ، فَإِنْ كَانَتِ الْمُحَابَاةِ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ صَارَ كَأَنَّهُ قَدْ أَوْصَى بِجَمِيعِهِ لِزَيْدٍ ، ثُمَّ أَوْصَى بِنِصْفِهِ لِعَمْرٍو ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا وَإِنْ كَانَتِ الْمُحَابَاةُ بِثُلُثِ ثَمَنِهِ كَانَتْ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُوصِيَ بِبَيْعِهِ عَلَى زَيْدٍ وَلَا يَذْكُرُ قَدْرَ ثَمَنِهِ الَّذِي يُبَاعُ عَلَيْهِ بِهِ ، فَهُوَ بِذَلِكَ مُبْطِلٌ لِوَصِيَّتِهِ الْأُولَى وَفِي صِحَّةِ وَصِيَّةِ بَيْعِهِ عَلَى زَيْدٍ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَى ثَمَنٍ تَكُونُ الْمُحَابَاةُ فِيهِ وَصِيَّةً وَيَكُونُ الْخِيَارُ لِلْوَرَثَةِ فِي بَيْعِهِ وَإِمْسَاكِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ ؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ قَصْدَ تَمَلُّكِهِ إِيَّاهُ وَيُبَاعُ عَلَيْهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ إِنِ اشْتَرَاهُ . وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَهُوَ تَدْبِيرُ مَا أَوْصَى بِهِ ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ التَّدْبِيرَ عِتْقٌ بِصِفَةٍ ، كَانَ تَدْبِيرُهُ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ كَالْوَصِيَّةِ ، فَإِنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالتَّمْلِيكِ ، كَانَ التَّدْبِيرُ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْعِتْقِ وَالتَّمْلِيكِ سَوَاءٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ: أَنَّهُ يَكُونُ نِصْفُهُ وَصِيَّةً وَنِصْفُهُ مُدَبَّرًا كَمَا لَوْ أَوْصَى بِالثَّانِي بَعْدَ أَوَّلٍ ، كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت