فهرس الكتاب

الصفحة 3682 من 8432

لَوْ أَوْصَى بِهِ لِلثَّانِي مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْأَوَّلِ وَسَاعَدَهُ عَلَى هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا احْتِجَاجًا بِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ زَيْدًا بِبَيْعِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا ، ثُمَّ قَالَ قَدْ وَكَّلْتُ عَمْرًا بِمَا وَكَّلْتُ بِهِ زَيْدًا أَنَّهُمَا يَكُونَانِ مَعًا وَكِيلَيْنِ فِي بَيْعِهِمَا ، وَلَا يَكُونُ لِوَكِيلِ الثَّانِي رُجُوعٌ عَنِ الْأَوَّلِ مَعَ ذِكْرِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ . وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا صَرَّحَ بِذِكْرِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ بِهِ لِلثَّانِي ، زَالَ احْتِمَالُ النِّسْيَانِ بِالذِّكْرِ وَزَالَ احْتِمَالُ التَّشْرِيكِ بِقَوْلِهِ: فَقَدْ أَوْصَيْتُ بِهِ لِلثَّانِي ، فَصَارَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي الرُّجُوعِ . فَأَمَّا الْوَكَالَةُ: فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ الْفَرْقَ فَجَعَلَ ذَلِكَ رُجُوعًا فِي تَوْكِيلِ الْأَوَّلِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْوَكَالَةَ نِيَابَةٌ فَصَحَّ أَنْ يُوَكَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ فِي كُلِّ الْبَيْعِ ، وَالْوَصِيَّةُ تَمْلِيكٌ لَا يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ كُلَّ الْوَصِيَّةِ ، فَكَانَ هَذَا فَرْقًا بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنْ يَكُونَ رُجُوعًا عَنِ الْأَوَّلِ إِلَى الثَّانِي ، فَسَأَلَ الْأَوَّلُ إِحْلَافَ الثَّانِي أَنَّ الْمُوصِيَ أَرَادَ بِهِ الرُّجُوعَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ يَمِينٌ ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي هَذَا إِلَى لَفْظِ الْمُوصِي فِيمَا احْتَمَلَهُ مِنَ الْمَعْنَى دُونَ إِرَادَتِهِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُبَاعَ ، أَوْ دَبَّرَهُ ، أَوْ وَهَبَهُ كَانَ هَذَا رُجُوعًا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ مَتَى شَاءَ ، وَأَنَّ الرُّجُوعَ قَدْ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ أَوْ فِعْلٍ . فَأَمَّا الْقَوْلُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ صَرِيحًا: رَجَعْتُ فِي وَصِيَّتِي ، أَوْ قَدْ أَبْطَلْتُهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا مِنْهُ وَتَبْطُلُ بِهِ وَصِيَّتُهُ . وَأَمَّا دَلَالَةُ الْفِعْلِ فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْفَصْلِ ثَلَاثَ مَسَائِلَ: أَحَدُهَا: أَنْ يُوصِيَ بِبَيْعِهِ . وَالثَّانِيةُ: أَنْ يُدَبِّرَهُ . وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَهَبَهُ . فَأَمَّا الْبَيْعُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَوَلَّاهُ فِي حَيَاتِهِ . وَالثَّانِي: أَنْ يُوصِيَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَإِنْ بَاعَهُ فِي حَيَاتِهِ كَانَ هَذَا رُجُوعًا ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إِنَّمَا تَصِحُّ إِذَا انْتَقَلَتْ عَنْ مِلْكِ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ إِلَى مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ بِقَبُولِهِ وَالْبَيْعُ قَدْ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهَا فَلَمْ يَصِحَّ بَقَاءُ الْوَصِيَّةِ بِهِ . فَلَوِ اشْتَرَاهُ بَعْدَ بَيْعِهِ لَمْ تَعُدِ الْوَصِيَّةُ بِهِ لِبُطْلَانِهَا بِالْبَيْعِ ، وَخَالَفَ الْمُفْلِسُ إِذَا اشْتَرَى مَا أَبَاعَهُ فِي رُجُوعِ الْبَائِعِ بِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ . وَالِابْنُ إِذَا اشْتَرَى مَا بَاعَهُ فِي هِبَةِ أَبِيهِ فِي رُجُوعِ الْأَبِ بِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت