فهرس الكتاب

الصفحة 3688 من 8432

وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِتَمْرٍ فَكَذَّهُ ، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا لِأَنَّهُ يُسْتَبْقَى بِهِ . وَلَوْ جَعَلَهُ دِبْسًا ، كَانَ رُجُوعًا لِزَوَالِ الِاسْمِ . وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِعِنَبٍ فَجَعَلَهُ عَصِيرًا ، أَوْ زَيْتُونٍ فَجَعَلَهُ زَيْتًا ، أَوْ بِسِمْسِمٍ فَجَعَلَهُ شَيْرَجًا ، كَانَ رُجُوعًا . وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبٍ فَجَفَّفَهُ تَمْرًا ، أَوْ بِعِنَبٍ فَجَفَّفَهُ زَبِيبًا ، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يُدَّخَرُ وَهُوَ عَلَى صِفَتِهِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِجَدْيٍ فَصَارَ تَيْسًا ، أَوْ بِبَصَلٍ فَصَارَ خَلًّا .

فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى لَهُ دَارًا فَهَدَمَهَا كَانَ رُجُوعًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ هَدْمُ الدَّارِ رُجُوعًا وَهَذَا خَطَأٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ طَحْنُ الْحِنْطَةِ رُجُوعًا ، كَانَ هَدْمُ الدَّارِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ رُجُوعًا ، وَلَوْ جَعَلَ الدَّارَ حَمَّامًا كَانَ رُجُوعًا بِوِفَاقٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِي هَدْمِهَا . وَلَكِنْ لَوْ عَمَّرَهَا لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا ، وَلَوْ جَعَلَ عَلَيْهَا سُبَاطًا لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الْوَصِيَّةِ . وَهَلْ يَكُونُ وَضْعُ السُّبَاطِ عَلَيْهِ مِنْ حِيطَانِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ كَمَا قُلْنَا فِي قَرَارِ الْغَرْسِ وَأَسَاسِ الْبِنَاءِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِمِكْيَلَةِ حِنْطَةٍ مِمَّا فِي بَيْتِهِ ، ثُمَّ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا وَكَانَتْ لَهُ الْمِكْيَلَةُ بِحَالِهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيمَنْ أَوْصَى بِصُبْرَةٍ مُمَيَّزَةٍ وَأَنَّهُ مَتَى خَلَطَهَا بِغَيْرِهَا كَانَ رُجُوعًا . فَأَمَّا مَسْأَلَتُنَا هَذِهِ مُصَوَّرَةٌ فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةِ حِنْطَةٍ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَلَطَهَا ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَخْلِطَهَا بِمِثْلِهَا ، فَهَذَا لَا يَكُونُ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُوصَى بِهِ كَانَ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ وَخَالَفَ الْحِنْطَةَ الْمُتَمَيِّزَةَ الَّتِي يَصِيرُ خَلْطُهَا رُجُوعًا . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَخْلِطَهَا بِأَجْوَدَ مِنْهَا فَهَذَا يَكُونُ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ فِيهَا بِالْخَلْطِ زِيَادَةً لَا يَمْلِكُهَا الْمُوصَى لَهُ ، فَصَارَ كَالذَّهَبِ إِذَا صَاغَهُ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَخْلِطَهَا بِأَرْدَأَ مِنْهَا ، فَفِي كَوْنِهِ رُجُوعًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَكُونُ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ أَحْدَثَهُ فِيهَا ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَخَذَ بَعْضَهَا لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا فِيمَا بَقِيَ عَنْهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ تَتَغَيَّرُ بِالْأَرْدَإِ ، كَمَا تَتَغَيَّرُ بِالْأَجْوَدِ وَجُمْلَةُ مَا يَكُونُ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ مَعَ بَقَائِهَا عَلَى مِلْكِ الْمُوصِي أَنْ يَقْصِدَ إِلَى اسْتِهْلَاكِهَا ، أَوْ يُحْدِثَ فِيهَا بِفِعْلِهِ زِيَادَةً لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت