فهرس الكتاب

الصفحة 3691 من 8432

وَقَالَ طَاوُسٌ: الْعِتْقُ وَغَيْرُهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [ الْحَجِّ: 77 ] ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَا أَنْفَقَهُ مِنْ مَالِهِ فِي مَلَاذِّهِ وَشَهَوَاتِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، كَانَ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ مِنْ عِتْقِهِ وَهِبَاتِهِ وَمُحَابَاتِهِ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [ آلِ عِمْرَانَ: 143 ] ، يَعْنِي بِهِ خَوْفَ الْقَتْلِ وَأَسْبَابَ التَّلَفِ وَسَمَّاهُ بِاسْمِهِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ وَاتِّصَالِ حُكْمِهِ بِحُكْمِهِ وَقَالَ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [ الْبَقَرَةِ: 180 ] . يَعْنِي بِحُضُورِ الْمَوْتِ ظُهُورَ دَلَائِلِهِ وَوُجُودَ أَسْبَابِهِ . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَاكُمْ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ . فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِنَفَقَاتِ مَلَذَّاتِهِ وَشَهَوَاتِهِ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ مَا اخْتَصَّ بِهِ الْمَرِيضُ مِنْ مَصَالِحِهِ ، هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ وَرَثَتِهِ وَمَا عَادَ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ هِبْتِهِ وَمُحَابَاتِهِ فَوَرَثَتُهُ أَحَقُّ بِهِ ؛ فَلِذَلِكَ أُمْضِيَتْ نَفَقَاتُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ لِتَعَلُّقِهَا بِمَصَالِحِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَجُعِلَتْ هِبَاتُهُ مِنْ ثُلُثِهِ لِتَعَلُّقِهَا بِمَصْلَحَةِ غَيْرٍ ، ثُمَّ بِنَفْسِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا مَا جُعِلَتْ لَهُ الشَّرِيعَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَمِنَ الْمَخُوفِ مِنْهُ إِذَا كَانَتْ حُمَّى بَدَأَتْ بِصَاحِبِهَا ، ثُمَّ إِذَا تَطَاوَلَتْ فَهُوَ مَخُوفٌ إِلَّا الرِّبْعَ فَإِنَّهَا إِذَا اسْتَمَرَّتْ بِصَاحِبِهَا رِبْعًا فَغَيْرُ مَخُوفَةٍ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَجَعٌ كَانَ مَخُوفًا وَذَلِكَ مِثْلُ الْبِرْسَامِ ، أَوِ الرُّعَافِ الدَّائِمِ ، أَوْ ذَاتِ الْجَنْبِ ، أَوِ الْخَاصِرَةِ ، أَوِ الْقُولَنْجِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ مَخُوفٌ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَطَايَا الْمَرَضِ الْمَخُوفِ مِنَ الثُّلُثِ كَالْوَصَايَاتِ ، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهَا فَالْمَرَضُ الْمَخُوفُ هُوَ الَّذِي لَا تَتَطَاوَلُ بِصَاحِبِهِ مَعَهُ الْحَيَاةُ . وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: الْمَخُوفُ هُوَ مِنَ الْمُضْنِي الْمُضْعِفِ عَنِ الْحَرَكَةِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ الْإِنْسَانُ صَاحِبَ فِرَاشٍ وَإِنْ تَطَاوَلَ بِهِ أَجَلُهُ ، وَهَذَا خَطَأٌ عِنْدِنَا ؛ لِأَنَّ مَا تَطَاوَلَ بِالْإِنْسَانِ فَهُوَ مُهْلَتُهُ وَبَقِيَّةُ أَجَلِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ طَارِئٌ عَلَى كُلِّ حَيٍّ وَإِنْ صَحَّ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ حَالُهُ فِيمَا تَعَجَّلَ بِهِ الْمَوْتُ وَجَاءَ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [ الْبَقَرَةِ: 180 ] . وَالْحَاضِرُ مَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ لَا مَا بَعُدَ . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَاكُمْ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَخُوفَ مَا جَاءَ وَعُجِّلَ ، فَالْأَمْرَاضُ كُلُّهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت