أَحَدُهَا: مَا كَانَ غَيْرَ مَخُوفٍ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ كَوَجَعِ الضِّرْسِ وَرَمَدِ الْعَيْنِ وَجَرَبِ الْيَدِ ، فَعَطَايَاهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، فَإِنْ مَاتَ فَبِحُدُوثِ غَيْرِهِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَ مَخُوفًا فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ: كَالْبِرْسَامِ ، وَذَاتِ الْجَنْبِ وَالْخَاصِرَةِ ، فَعَطَايَاهُ فِيهِ مِنْ ثُلُثِهِ ، فَإِنْ صَحَّ فِيهِ أَوْ قُتِلَ ، أَوْ مَاتَ تَحْتَ هَدْمٍ بَانَ أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مَخُوفٍ ، فَيَكُونُ عَطَايَاهُ فِيهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا كَانَ فِي ابْتِدَائِهِ غَيْرَ مَخُوفٍ وَفِي انْتِهَائِهِ مَخُوفًا ، كَالْحُمَّى وَالسُّلِّ ، فَعَطِيَّتُهُ فِي ابْتِدَائِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَفِي انْتِهَائِهِ مِنْ ثُلُثِهِ . وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا كَانَ فِي ابْتِدَائِهِ مَخُوفًا وَفِي انْتِهَائِهِ غَيْرَ مَخُوفٍ: كَالْفَالِجِ يَكُونُ فِي ابْتِدَائِهِ عِنْدَ غَلَبَةِ الْبَلْغَمِ عَلَيْهِ مَخُوفًا ، فَإِذَا انْتَهَى بِصَاحِبِهِ حَتَّى صَارَ فَالِجًا فَهُوَ غَيْرُ مَخُوفٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدُومُ بِصَاحِبِهِ شَهْرًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ: وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا مَهَّدْنَاهُ مِنْ أُصُولِ الْأَمْرَاضِ المرض المخوف فَسَنَذْكُرُ مِنْ تَفْصِيلِهَا مَا يَكُونُ مِثَالًا لِنَظَائِرِهِ ، فَمِنْ ذَلِكَ الْحُمَّى ، فَهِيَ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ غَيْرُ مَخُوفٍ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مِنْ تَعَبِ الْإِغْمَاءِ وَظُهُورِ الْحُمَّى وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [ مَرْيَمَ: 71 ] إِنَّهَا الْحُمَّى . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: الْفَيْحُ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ ، فَإِنِ اسْتَمَرَّتْ بِصَاحِبِهَا فَهِيَ مَخُوفَةٌ ؛ لِأَنَّهَا تَدْفِنُ الْقُوَّةَ الَّتِي هِيَ قِوَامُ الْحَيَاةِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: الْحُمَّى دَابِرُ الْمَوْتِ وَهِيَ هِجْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَرْضِهِ ، يَحْبِسُ عَبْدَهُ بِهِ إِذَا شَاءَ فَيُرْسِلُهُ إِذَا شَاءَ . وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: حُمَّى يَوْمٍ كَفَّارَةُ سَنَةٍ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ يُضْرَبُ بِهَا عُرُوقُ الْبَدَنِ كُلُّهَا وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عِرْقًا ، فَجَعَلَ كُلَّ عِرْقٍ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ الَّتِي هِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا ، فَإِنْ صَارَتِ الْحُمَّى عِنْدَ اسْتِمْرَارِهَا رَفْعًا فَهِيَ غَيْرُ مَخُوفَةٍ ؛ لِأَنَّ مَا يَحْدُثُ مِنَ الْقُوَّةِ فِي أَيَّامِ الِاسْتِرَاحَةِ يَكُونُ خَلَفًا مِمَّا ذَهَبَ بِهَا فِي يَوْمِ النَّوْبَةِ فَصَارَتِ الْقُوَّةُ مَحْفُوظَةً فَزَالَ الْخَوْفُ . فَأَمَّا إِذَا اقْتَرَنَ بِمَا لَا يَكُونُ مَخُوفًا مِنْ حُمَّى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ بِبِرْسَامٍ ، أَوْ ذَاتِ الْجَنْبِ ، أَوْ وَجَعِ الْخَاصِرَةِ ، أَوِ الْقُولَنْجِ ، فَقَدْ صَارَ مَخُوفًا . فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْأَمْرَاضُ بِانْفِرَادِهَا مَخُوفَةٌ فَكَيْفَ جَعَلَهَا الشَّافِعِيُّ مَعَ حُمَّى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مَخُوفَةً ؟ فَلِأَصْحَابِنَا عَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ مَا كَانَ مِنْهَا لَا يَكُونُ بِانْفِرَادِهِ مَخُوفًا ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِحُمَّى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ صَارَ مَخُوفًا . وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ مَنْ حُمَّى حُمَّى يَوْمٍ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ وَلَا يَكُونُ مَخُوفًا عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ تَحْدُثَ بِهِ هَذِهِ الْأَمْرَاضُ الَّتِي يَصِيرُ حُدُوثُهَا بِالصَّحِيحِ مَخُوفًا . وَهَكَذَا حُمَّى الرِّبْعِ إِذَا اقْتَرَنَ بِهَا هَذِهِ الْأَمْرَاضُ صَارَتْ مَخُوفَةً ، فَأَمَّا الرُّعَافُ ، فَإِنْ قَلَّ وَلَمْ