دُيُونِهِمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِي ذَلِكَ بَعْضَ الْجَيْشِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ ذَلِكَ مَالَ الْمُفْلِسِ بَعْضَ الْغُرَمَاءِ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْبَاقِي مِنْ أَرْزَاقِهِمْ . فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ مَالَ الْفَيْءِ مِلْكٌ لِلْجَيْشِ ، سَقَطَ الْبَاقِي مِنْ أَرْزَاقِهِمْ وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَقْضُوهُ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَوِّضَهُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ مَا يُتَمِّمُونَ بَاقِي كِفَايَاتِهِمْ . وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ مَالَ الْفَيْءِ مَصْرُوفٌ فِي الْمَصَالِحِ ، كَانَ الْبَاقِي مِنْ أَرْزَاقِ الْجَيْشِ دَيْنًا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ يَقْضُونَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ عَوَّضُوهُمْ بِمَغْنَمٍ قَبْلَهُ كَانَ أَوْلَى .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَيُعْطَى مِنَ الْفَيْءِ رِزْقُ الْحُكَّامِ وَوُلَاةِ الْأَحْدَاثِ وَالصَّلَاةِ لِأَهْلِ الْفَيْءِ وَكُلِّ مَنْ قَامَ بِأَمْرِ أَهْلِ الْفَيْءِ مِنْ وَالٍ وَكَاتِبٍ وَجُنْدِيٍّ مِمَّنْ لَا غَنَاءَ لِأَهْلِ الْفَيْءِ عَنْهُ رِزْقُ مِثْلِهِ ، فَإِنْ وُجِدَ مَنْ يُغْنِي غَنَاءَهُ وَكَانَ أَمِينًا بِأَقَلَّ لَمْ يَزِدْ أَحَدًا عَلَى أَقَلِّ مَا يَجِدُ: لِأَنَّ مَنْزِلَةَ الْوَالِي مِنْ رَعِيَّتِهِ مَنْزِلَةُ وَالِي الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ لَا يُعْطِي مِنْهُ عَنِ الْغَنَاءِ لِلْيَتِيمِ أَقَلَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَمَنْ وَلِيَ عَلَى أَهْلِ الصَّدَقَاتِ كَانَ رِزْقُهُ مِمَّا يُؤْخَذُ مِنْهَا لَا يُعْطَى مِنَ الْفَيْءِ عَلَيْهَا كَمَا لَا يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَاتِ عَلَى الْفَيْءِ . ( قَالَ ) وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي قَسْمِ الْفَيْءِ وَذَهَبُوا مَذَاهِبَ لَا أَحْفَظُ عَنْهُمْ تَفْسِيرَهَا وَلَا أَحْفَظُ أَيُّهُمْ قَالَ مَا أَحْكِي مِنَ الْقَوْلِ دُونَ مَنْ خَالَفَهُ ، وَسَأَحْكِي مَا حَضَرَنِي مِنْ مَعَانِي كُلِّ مَنْ قَالَ فِي الْفَيْءِ شَيْئًا ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هَذَا الْمَالُ لِلَّهِ تَعَالَى دَلَّ عَلَى مَنْ يُعْطَاهُ ، فَإِذَا اجْتَهَدَ الْوَالِي فَفَرَّقَهُ فِي جَمِيعِ مَنْ سَمَّى لَهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى مِنِ اسْتِحْقَاقِهِمْ بِالْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَإِنْ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعَطَاءِ فَذَلِكَ تَسْوِيَةٌ إِذَا كَانَ مَا يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَدَّ خَلَّتَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ صِنْفًا مِنْهُمْ وَيَحْرِمَ صِنْفًا . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِذَا اجْتَمَعَ الْمَالُ نَظَرَ فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَرَأَى أَنْ يَصْرِفَ الْمَالَ إِلَى بَعْضِ الْأَصْنَافِ دُونَ بَعْضٍ ، فَإِنْ كَانَ الصِّنْفُ الَّذِي يَصْرِفُهُ إِلَيْهِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يَصْرِفُهُ إِلَيْهِ وَكَانَ أَرْفَقَ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ صَرَفَهُ وَحَرَمَ غَيْرَهُ ، وَيُشْبِهُ قَوْلَ الَّذِي يَقُولُ هَذَا أَنَّهُ إِنْ طَلَبَ الْمَالَ صِنْفَانِ ، وَكَانَ إِذَا حُرِمَهُ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ تَمَاسَكَ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ خَلَّةٌ مُضِرَّةٌ ، وَإِنْ سَاوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ كَانَتْ عَلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ خَلَّةٌ مُضِرَّةٌ أَعْطَاهُ الَّذِينَ فِيهِمُ الْخَلَّةُ الْمُضِرَّةُ كُلَّهُ . ( قَالَ ) ثُمَّ قَالَ بَعْضُ مَنْ قَالَ إِذَا صَرَفَ مَالَ الْفَيْءِ إِلَى نَاحِيَةٍ فَسَدَّهَا وَحَرَمَ أُخْرَى ، ثُمَّ جَاءَهُ مَالٌ آخَرُ أَعْطَاهَا إِيَّاهُ دُونَ النَّاحِيَةِ الَّتِي سَدَّهَا فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا عَجَّلَ أَهْلَ الْخَلَّةِ وآخَّرَ غَيْرَهُمْ حَتَّى أَوْفَاهُمْ بَعْدُ . ( قَالَ ) وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ يُعْطَى مَنْ يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَاتِ وَلَا مُجَاهِدًا مِنَ الْفَيْءِ . وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ: وَإِنْ أَصَابَتْ أَهْلَ الصَّدَقَاتِ هل يعطوا من الفيء سَنَةٌ فَهَلَكَتْ أَمْوَالُهُمْ ، أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَيْءِ ، فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهُ مُنِعُوا الْفَيْءَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي مَالِ الصَّدَقَاتِ هَذَا الْقَوْلُ يَرُدُّ بَعْضَ مَالِ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ وَأَحْفَظُ"