عَمَّنْ أَرْضَى مِمَّنْ سَمِعْتُ أَلَّا يُؤَخَّرَ الْمَالُ إِذَا اجْتَمَعَ ، وَلَكِنْ يُقَسَّمُ ، فَإِنْ كَانَتْ نَازِلَةٌ مِنْ عَدُوٍّ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ بِهَا وَإِنْ غَشِيَهُمْ عَدُوٌّ فِي دَارِهِمْ وَجَبَ النَّفِيرُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ غَشِيَهُ أَهْلُ الْفَيْءِ وَغَيْرُهُمْ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَالٌ أُصِيبَ بَالْعِرَاقِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ: أَلَا نُدْخِلُهُ بَيْتَ الْمَالِ ؟ قَالَ لَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَا يَأْوِي تَحْتَ سَقْفِ بَيْتٍ حَتَّى أُقَسِّمَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَوُضِعَ فِي الْمَسْجِدِ وَوُضِعَتْ عَلَيْهِ الْأَنْطَاعُ وَحَرَسَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا مَعَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بِنُ عَوْفٍ آَخِذًا بِيَدِ أَحَدِهِمَا ، أَوْ أَحَدُهُمَا آَخِذٌ بِيَدِهِ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ كَشَفُوا الْأَنْطَاعَ عَنِ الْأَمْوَالِ فَرَأَى مَنْظَرًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ ، الذَّهَبُ فِيهِ وَالْيَاقُوتُ وَالزَّبَرْجَدُ وَاللُّؤلؤُ يَتَلَأْلَأُ فَبَكَى ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا هُوَ بِيَوْمِ بُكَاءٍ ، لَكِنَّهُ وَاللَّهِ يَوْمُ شُكْرٍ وَسُرُورٍ ، فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا ذَهَبْتُ حَيْثُ ذَهَبْتَ ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كَثُرَ هَذَا فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا وَقَعَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقِبْلَةِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ مُسْتَدْرَجًا ، فَإِنِّي أَسْمَعُكَ تَقُولُ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ، ثُمَّ قَالَ أَيْنَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ ؟ فَأُتِيَ بِهِ أَشْعَرَ الذِّرَاعَيْنِ دَقِيقَهُمَا فَأَعْطَاهُ سُوَارَيْ كِسْرَى وَقَالَ الْبَسْهُمَا ، فَفَعَلَ ، فَقَالَ: قُلِ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ ، قَالَ: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَلَبَهُمَا كِسْرَى بْنَ هُرْمُزَ وَأَلْبَسَهُمَا سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ . وَإِنَّمَا أَلْبَسَهُ إِيَّاهُمَا: لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِسُرَاقَةَ وَنَظَرَ إِلَى ذِرَاعِهِ:"كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ لَبِسْتَ سُوَارَيْ كِسْرَى"وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ إِلَّا سُوَارَيْهِ وَجَعَلَ يُقَلِّبُ بَعْضَ ذَلِكَ بَعْضًا ، ثُمَّ قَالَ إِنَّ الَّذِي أَدَّى هَذَا لِأَمِينٌ ، فَقَالَ قَائِلٌ أَنَا أُخْبِرُكَ أَنَّكَ أَمِينُ اللَّهِ وَهُمْ يُؤدُّونَ إِلَيْكَ مَا أَدَّيْتَ إِلَى اللَّهِ ، فَإِذَا رَتَعْتَ رَتَعُوا ، قَالَ صَدَقْتَ ، ثُمَّ فَرَّقَهُ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) وَأَخْبَرَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ: أَنْفَقَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى أَهْلِ الرَّمَادَةِ فِي مَقَامِهِمْ حَتَّى وَقَعَ مَطَرٌ فَتَرَحَّلُوا فَخَرَجَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَاكِبًا إِلَيْهِمْ فَرَسًا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ كَيْفَ يَترَحَّلُونَ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ مُحَارِبِ خَصَفَةَ: أَشْهَدُ أَنَّهَا انْحَسَرَتْ عَنْكَ وَلَسْتَ بِابْنِ أُمَيَّةَ ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَيْلَكَ ذَاكَ لَوْ كُنْتُ أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِي أَوْ مَالِ الْخَطَّابِ ، إِنَّمَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا أَرْزَاقُ الْجَيْشِ وَكُتَّابُهُمْ وَقُضَاتُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ وَمُؤَذِّنِيهِمْ وَعُمَّالُهُمْ فَفِي أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا ، وَأَمَّا أَرْزَاقُ الْقُضَاةِ بَيْنَ الْكَافَّةِ وَوُلَاةِ الْأَحْدَاثِ وَهُمْ أَصْحَابُ الشُّرْطِ وَأَئِمَّةُ الْجَوَامِعِ وَالْمُؤَذِّنُونَ فِيهَا . فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ مَصْرُوفٌ فِي الْمَصَالِحِ ، أُعْطُوا مِنْهَا أَرْزَاقَهُمْ . وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مِلْكٌ لِلْجَيْشِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطَوْا مِنْهُ وَأُعْطُوا مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ مِنَ الْخُمُسِ وَهُوَ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَصْرُوفُ بَعْدَهُ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ ، وَإِذَا وَجَدَ الْإِمَامُ مُتَطَوِّعًا بِالْقَضَاءِ وَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَ عَلَيْهِ رِزْقًا ، وَإِذَا وَجَدَ مُرْتَزِقًا بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ"