فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَا جَاهِلَيْنِ بِتَحْرِيمِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ الحد في هذه الحالة فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا: لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالتَّحْرِيمِ أَقْوَى شُبْهَةً ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلِأَنَّ مَنْ جَهِلَ تَحْرِيمَ الزِّنَا لِحُدُوثِ إِسْلَامِهِ لَمْ يُجْلَدْ ، فَكَانَ هَذَا بِدَرْءِ الْحَدِّ أَوْلَى ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَ سَلْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَمَةٍ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا إِقْرَارَ جَاهِلٍ بِتَحْرِيمِهِ: أَرَاهَا تَشْهَدُ بِهِ كَأَنَّهَا لَمْ تَعْلَمْ ، وَإِنَّمَا الْحَدُّ عَلَى مَنْ عَلِمَ . ثُمَّ يَتَعَلَّقُ عَلَى هَذِهِ الْإِصَابَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يَتَعَلَّقُ عَلَى النِّكَاحِ الصَّحِيحِ إِلَّا فِي الْمُقَامِ عَلَيْهِ فَيُوجِبُ الْعِدَّةَ ، وَيُلْحِقُ بِالنَّسَبِ ، وَيَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ في النكاح غير الصحيح ، وَلَكِنْ فِي ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ بِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَثْبُتُ بِهَا الْمَحْرَمُ كَمَا تَثْبُتُ بِهَا تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ، فَلَا تُحْجَبُ عَنْ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَلَا يُحْجَبُ عَنْهُ أُمُّهَا وَبِنْتُهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَثَبُتَ الْمَحْرَمُ وَإِنْ ثَبَتَ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ: لِأَنَّنَا أَثْبَتْنَا تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ تَغْلِيظًا ، فَاقْتَضَى أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ ثُبُوتُ الْمَحْرَمِ تَغْلِيظًا .
فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَا مُعْتَقِدَيْنِ لِتَحْرِيمِهِ يَرَيَانِ فِيهِ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ مِنْ إِبْطَالِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، فَمَحْظُورٌ عَلَيْهِمَا الْإِصَابَةُ ، فَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَيْهَا وَوَطِئَهَا ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ - مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - وَهُوَ مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ: الْحَدُّ عَلَيْهِمَا وَاجِبٌ: لِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْبَغِيُّ مَنْ نَكَحَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ . وَالْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ فِي الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ جَمَعَتْهُمَا رُفْقَةٌ فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا مِنْهُمْ فَزَوَّجَهَا ، فَجَلَدَ النَّاكِحَ وَالْمُنْكَحَ . وَالدَّلِيلُ عَلَى سُقُوطِ الْحَدِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَبَرِ الْمَاضِي: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَأُبْطِلَ النِّكَاحُ وَأُوجِبَ الْمَهْرُ دُونَ الْحَدِّ: لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ وَأَقْوَى الشُّبَهَاتِ عَقْدٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِبَاحَتِهِ ، فَكَانَ بِإِدْرَاءِ الْحَدِّ أَوْلَى . فَأَمَّا قَوْلُهُ: الْبَغِيُّ مَنْ نَكَحَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَهِيَ لَا تَكُونُ بَغِيًّا بِالنِّكَاحِ إِجْمَاعًا ، وَإِنَّمَا يَقُولُ مَنْ يُوجِبُ الْحَدَّ: إِنَّهَا تَكُونُ بِالْوَطْءِ بَغِيًّا . فَلَمْ يَكُنْ فِي التَّعَلُّقِ بِهِ دَلِيلٌ ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ عَلَيْهَا بَعْضُ أَحْكَامِ الْبَغِيِّ وَهُوَ تَحْرِيمُ الْوَطْءِ ، وَلَا يُمْتَنَعُ أَنْ يُسَمَّى بَعْضُ أَحْكَامِ الْبَغْيِ بَغْيًا ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ فَسَمَّاهُ بِبَعْضِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ كَافِرًا ، وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ فَالْجَلْدُ فِيهِ عِبَارَةٌ عَنِ التَّعْزِيرِ ، أَلَّا تَرَاهُ جَلَدَ النَّاكِحَ وَالْمُنْكَحَ وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُنْكِحِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَزَّرَهُمَا .