فهرس الكتاب

الصفحة 3971 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الْأَمْرُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلًا عَلَى إِبْطَالِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَالْمَقْصُودُ بِهِ يَتَعَلَّقُ عَلَى الْمُتَنَاكِحَيْنِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنَ الْأَحْكَامِ ، فَإِذَا تَنَاكَحَ الزَّوْجَانِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَلَا يَخْلُو حَالُهُمَا مِنْ أَنْ يَتَرَافَعَا فِيهِ إِلَى حَاكِمٍ أَمْ لَا ، فَإِنْ تَرَافَعَا فِيهِ إِلَى حَاكِمٍ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْحَاكِمِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَافِعِيًّا يَرَى إِبْطَالَ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، أَوْ يَكُونُ حَنَفِيًّا يَرَى جَوَازَ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، فَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا يَرَى إِبْطَالَ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، حَكَمَ بِإِبْطَالِهِ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنِ اجْتَمَعَا حَكَمَ فِيهِ بِمَذْهَبِهِ ، وَقَضَى بَيْنَهُمَا عَلَى الْإِصَابَةِ بَعْدَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا كَانَا زَانِيَيْنِ عَلَيْهِمَا الْحَدُّ: لِأَنَّ شُبْهَةَ الْعَقْدِ قَدِ ارْتَفَعَتْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا بِالْفُرْقَةِ ، فَلَوْ تَرَافَعَا بَعْدَ إِبْطَالِ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ إِلَى حَاكِمٍ حَنَفِيٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِجَوَازِهِ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ بِإِبْطَالِهِ . وَإِنْ كَانَا فِي الِابْتِدَاءِ قَدْ تَرَافَعَا إِلَى حَاكِمٍ حَنَفِيٍّ يَرَى صِحَّةَ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا بِصِحَّتِهِ ، وَأَذِنَ لَهُمَا بِالِاجْتِمَاعِ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا فِي الْإِصَابَةِ حَدٌّ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ بِالْإِبَاحَةِ ، فَلَوْ تَرَافَعَا بَعْدَ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِصِحَّةٍ إِلَى حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِإِبْطَالِهِ وَيَنْقُضَ حَكَمَ الْحَنَفِيِّ بِصِحَّتِهِ وَإِمْضَائِهِ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ الْحُكْمُ بِإِبْطَالِهِ وَنَقْضِ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِإِمْضَائِهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ النَّصِّ فِي قَوْلِهِ: فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمًا قَدْ نَفَذَ بِاجْتِهَادٍ ، وَالنَّصُّ فِيهِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ .

فَصْلٌ: وَإِذَا لَمْ يَتَرَافَعَا فِيهِ إِلَى حَاكِمٍ وَلَا حُكِمَ فِيهِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ صِحَّةٍ أَوْ إِبْطَالٍ ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعَا فِيهِ عَلَى الْإِصَابَةِ حَتَّى افْتَرَقَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهِمَا ، وَلَا مَهْرَ لَهَا ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَتَوَارَثَا ، وَإِنِ اجْتَمَعَا فِيهِ عَلَى الْإِصَابَةِ لَمْ تَخْلُ حَالُهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْتَقِدَا الْإِبَاحَةَ . وَالثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدَا تَحْرِيمَهُ . وَالثَّالِثُ: أَنْ يَجْهَلَا حُكْمَهُ . فَإِنِ اعْتَقَدَا الْإِبَاحَةَ: لِاعْتِقَادِهِمَا مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا: لِاسْتِبَاحَتِهِمَا لَهُ مِنِ اجْتِهَادٍ مُسَوَّغٍ . فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيِسَ لَوْ شَرِبَ النَّبِيذَ مَنِ اعْتَقَدَ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إِبَاحَتِهِ حَدَدْتُمُوهُ ، فَهَلَّا حَدَدْتُمْ هَذَا مَعَ اعْتِقَادِهِ إِبَاحَتَهُ ؟ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشُّبْهَةَ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ أَقْوَى: لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَصْلَيْ حَظْرٍ مِنْ زِنَا وَإِبَاحَةٍ مِنْ نِكَاحٍ ، وَإِبَاحَةُ الشُّبْهَةِ فِي النَّبِيذِ الَّذِي لَا يَرْجِعُ إِلَّا إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ فِي الْحَظْرِ وَالتَّحْرِيمِ ، وَهُوَ الْخَمْرُ . وَالثَّانِي: أَنَّ النِّكَاحَ الَّذِي عَقَدَهُ وَلِيٌّ قَدْ جُعِلَ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى اسْتِبَاحَتِهِ بِوَلِيٍّ ، فَاقْتُصِرَ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ عَلَى مُجَرَّدِ النَّهْيِ ، وَلَيْسَ كَالنَّبِيذِ الَّذِي لَا سَبِيلَ إِلَى اسْتِبَاحَتِهِ ، فَلَمْ يَقْتَصِرْ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ عَلَى مُجَرَّدِ النَّهْيِ حَتَّى يُضَمَّ إِلَيْهِ حُكَمٌ هُوَ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ ، لِيَكُونَ أَمْنَعَ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت