فهرس الكتاب

الصفحة 3975 من 8432

إِحْدَاهُمَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي صِفَةِ الْإِذْنِ . وَالثَّانِي: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْعَقْدِ ، وَنَحْنُ نُقَدِّمُ الْكَلَامَ فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْعَقْدِ: لِأَنَّهُ أَصْلٌ لَمْ يُعَقِّبْهُ بِصِفَةِ الْإِذْنِ فِي مَوْضِعِهِ ، فَنَقُولُ: النِّسَاءُ ضَرْبَانِ: أَبْكَارٌ ، وَثَيِّبٌ . فَأَمَّا الثَّيِّبُ فَيَأْتِي حُكْمُهُنَّ . وَأَمَّا الْأَبْكَارُ فَلَهُنَّ حَالَتَانِ: حَالَةٌ مَعَ الْأَبَاءِ ، وَحَالَةٌ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ . فَأَمَّا حَالُهُنَّ مَعَ الْآبَاءِ فَهُنَّ ضَرْبَانِ: صِغَارٌ ، وَكِبَارٌ . فَأَمَّا صِغَارُ الْأَبْكَارِ فَلِلْآبَاءِ إِجْبَارُهُنَّ عَلَى النِّكَاحِ فَيُزَوِّجُ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَاعِيَ فِيهِ اخْتِيَارَهَا ، وَيَكُونُ الْعَقْدُ لَازِمًا لَهَا فِي صِغَرِهَا وَبَعْدَ كِبَرِهَا ، وَكَذَلِكَ الْجَدُّ وَإِنْ عَلَا يَقُومُ فِي تَزْوِيجِ الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ مَقَامَ الْأَبِ إِذَا فُقِدَ الْأَبُ . وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ - وَإِنْ كَانَ وِفَاقًا - قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [ الطَّلَاقِ: 4 ] يَعْنِي الصِّغَارَ ، وَالصَّغِيرَةُ تَجِبُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا مِنْ طَلَاقِ الزَّوْجِ ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا فِي الصِّغَرِ . وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنَةُ سَبْعٍ ، وَدَخَلَ بِي وَأَنَا ابْنَةُ تِسْعٍ ، وَمَاتَ عَنِّي وَأَنَا ابْنَةُ ثَمَانِي عَشْرَ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الْبِكْرُ الْكَبِيرَةُ فَلِلْأَبِ - أَوْ لِلْجَدِّ عِنْدَ فَقْدِ الْأَبِ - أَنْ يُزَوِّجَهَا جَبْرًا كَالصَّغِيرَةِ ، وَإِنَّمَا يَسْتَأْذِنُهَا عَلَى اسْتِطَابَةِ النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي جَوَازِ الْعَقْدِ . وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لِلْأَبِ إِجْبَارُ الْبِكْرِ الْبَالِغِ عَلَى الْعَقْدِ إِلَّا عَنْ إِذْنٍ . وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ: فَجُعِلَ الْإِجْبَارُ مُعْتَبَرًا بِالصَّغِيرَةِ دُونَ الْبَكَارَةِ ، وَجَعَلَ الشَّافِعِيُّ الْإِجْبَارَ مُعْتَبَرًا بِالْبَكَارَةِ دُونَ الصِّغَرِ ، وَاسْتَدَلَّ مِنْ نَصِّ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِرِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ - وَهِيَ بِكْرٌ - فَمَاتَ ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا . وَبِرِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ فِي أَبْضَاعِهِنَّ ، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَلِأَنَّهَا مُتَصَرِّفَةٌ فِي مَالِهَا ، فَلَا يَجُوزُ إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ كَالثَّيِّبِ: وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ زَالَ عَنْهُ الْحَجْرُ فِي مَالِهِ ، زَالَ عَنْهُ الْحَجْرُ فِي نِكَاحِهِ كَالرَّجُلِ . وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صِمَاتُهَا فَلَمَّا جَعَلَ الثَّيِّبَ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا عُلِمَ أَنَّ وَلِيَّ الْبِكْرِ أَحَقُّ بِهَا مِنْ نَفْسِهَا ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ اسْتِطَابَةً لِلنَّفْسِ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْوُجُوبِ لَصَارَتْ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا كَالثَّيِّبِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت