فهرس الكتاب

الصفحة 3976 من 8432

وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَهُ قَبْضُ صَدَاقِهَا بَعْدَ رِضَاهَا جَازَ لَهُ عَقْدُ نِكَاحِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا كَالْأَمَةِ وَكَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ: وَلِأَنَّ مَا اسْتُحِقَّ بِالْوِلَايَةِ فِي نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ اسْتُحِقَّ بِالْوِلَايَةِ فِي نِكَاحِ الْكَبِيرَةِ قِيَاسًا عَلَى طَلَبِ الْكَفَاءَةِ ، وَلِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّهُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَزْوِيجُهَا جَبْرًا فِي الْكِبَرِ ، لَمَا كَانَ لَهُ تَفْوِيتُ بُضْعِهَا فِي الصِّغَرِ ، كَالطِّفْلِ يُقْتَلُ أَبُوهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ تَفْوِيتُ خِيَارِهِ عَلَيْهِ فِي الْقَوْدِ وَالدِّيَةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَفْوِيتُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ ، وَكَانَ الْقَاتِلُ مَحْبُوسًا حَتَّى يَبْلُغَ ، فَيَخْتَارُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ . فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَبْطُلُ بِالصَّبِيِّ ، فَإِنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى النِّكَاحِ قَبْلَ الْبُلُوغِ ، وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ . قُلْنَا: لَيْسَ فِي تَزْوِيجِ الِابْنِ تَفْوِيتٌ لِمَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِدْرَاكِهِ: لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ ، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ ، وَالثَّيِّبُ لَا تَقْدِرُ عَلَى خَلَاصِ نَفْسِهَا مِنْ عَقْدِ الْأَبِ إِنْ لَمْ يَشَأْ . وَأَمَّا خَبَرُ عَائِشَةَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّيِّبِ دُونَ الْبِكْرِ تَخْصِيصًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الثَّيِّبِ فَالْمَعْنَى فِيهَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ لِلْأَبِ قَبْضُ صَدَاقِهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ عَقْدُ نِكَاحِهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا ، وَلَمَّا جَازَ لِلْأَبِ قَبْضُ صَدَاقِ الْبِكْرِ بِغَيْرِ رِضَاهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ نِكَاحَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا: لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْمُبَدَلِ مُعْتَبَرٌ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْبَدَلِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الرَّجُلِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ فِي نِكَاحِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبِكْرُ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْأَبِ إِجْبَارَ الْبِكْرِ عَلَى النِّكَاحِ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً ، وَكَذَلِكَ الْجَدُّ وَإِنْ عَلَا ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ: لَيْسَ الْإِجْبَارُ إِلَّا لِلْأَبِ دُونَ الْجَدِّ . وَقَالَ مَالِكٌ: لِلْجَدِّ إِجْبَارُ الصَّغِيرَةِ كَالْأَبِ وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُ الْكَبِيرَةِ بِخِلَافِ الْأَبِ . وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَبِ وَالْجَدِّ ، بِأَنَّ الْجَدَّ يَمْلِكُ الْوِلَايَةَ بِوَسِيطٍ كَالْإِخْوَةِ ، وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ [ الْحَجِّ: 78 ] فَسَمَّاهُ أَبَا إِجْرَاءً لِحُكْمِ الْأَبِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي الِاسْمِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ وِلَايَةُ الْجَدِّ عَلَى الْأَبِ فَأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ عَلَى مَنْ يَلِي عَلَيْهِ الْأَبُ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا سَاوَى الْجَدُّ الْأَبَ فِي الْوِلَايَةِ عَلَى مَالِهَا سَاوَاهُ فِي الْوِلَايَةِ عَلَى نِكَاحِهَا ، وَبِهَذَا فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَصَبَاتِ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا حَالُ الْبِكْرِ مَعَ غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ فَلَا تَخْلُو حَالُهَا مَعَهُمْ مِنْ أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً ، فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِجْبَارُهَا إِجْمَاعًا ، وَلَيْسَ لَهُمْ تَزْوِيجُهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْعَصَبَاتِ: أَنَّ فِي الْآبَاءِ بَعْضِيَّةً لَيْسَتْ فِي الْعَصَبَاتِ فَقَوِيَتْ بِهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت