أَشْهُرٍ وَعَشَرٍ عِدَّةُ الْوَفَاةِ أَوْ ثَلَاثَةُ أَقَرَّاءٍ عِدَّةُ الْوَطْءِ ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الثَّانِي فِي زَمَانِ عَدَّتِهَا مِنَ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ ، وَإِنْ كَانَ نُكُولُهَا لِغَيْرِ اعْتِرَافٍ بَلْ كَانَتْ عَلَى تَكْذِيبِ الثَّانِي ، وَتَصْدِيقِ الْأَوَّلِ رُدَّ الْيَمِينُ بَعْدَ نُكُولِهَا عَلَى الْمُكَذِّبِ ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُكَذِّبُ عَنْهَا اسْتَقَرَّ نِكَاحُ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ حَلَفَ فَقَدْ قَابَلَ تَصْدِيقَ الْأَوَّلِ يَمِينُ الْكَذِبِ فَيَكُونُ يَمِينُ الْمُدَّعِي بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي يَمِينِ الْمُدَّعِي بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ أَمْ مَقَامَ الْإِقْرَارِ ثبوت الأسبق فيمن تزوجا امرأة واحدة ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ زَوْجَةَ الثَّانِي وَيَزُولُ عَنْهَا نِكَاحُ الْأَوَّلِ: كَمَا لَوْ أَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً بَعْدَ تَصْدِيقِهَا لِلْأَوَّلِ ، وَهَذَا مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ مَعَ بُعْدِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْإِقْرَارِ ، فَعَلَى هَذَا قَدْ كَانَ مَعَ الْأَوَّلِ إِقْرَارٌ مِنْهَا ، وَقَدْ صَارَ مَعَ الثَّانِي إِقْرَارٌ قَدْ لَزِمَ عَنْهَا فَصَارَ إِقْرَارَيْنِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِمَا هَلْ يَكُونُ حُكْمُهُمَا حُكْمَ إِقْرَارَيْنِ وَقَعَا مَعًا: لِأَنَّ يَمِينَ الثَّانِي أَوْجَبَهَا نُكُولُهَا عَنِ الْيَمِينِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ حُكْمُ أَحَدِ الْإِقْرَارَيْنِ عَلَى الْآخَرِ . وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ فَعَلَى هَذَا يَبْطُلُ النِّكَاحَانِ مَعًا: كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ لَهُمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا فِي حُكْمِ إِقْرَارَيْنِ مُتَرَتِّبَيْنِ وَقَعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ: لِأَنَّ يَمِينَ الثَّانِي جَعَلَتْهُ فِي حُكْمِ الْمُقَرِّ لَهُ وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ ، فَصَارَ الْإِقْرَارُ لَهُ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ زَوْجَةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ لِثَانٍ بَعْدَ أَوَّلٍ ، وَهَلْ يَرْجِعُ الثَّانِي عَلَيْهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَمْ لَا ؟ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ ، فَإِنْ طَلَبَ الثَّانِي فِي هَذِهِ الْحَالِ إِحْلَافَ الْأَوَّلِ ؟ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ إِحْلَافُهُ: لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَوْ مَاتَ لَمْ تَصِرْ زَوْجَةً لِلثَّانِي: لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ ، وَإِنْ نَزَلَتْ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهَا مَنْزِلَةَ الْمُقِرَّةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ إِحْلَافُهَا وَلَوْ نَزَلَ عَنْهَا فَحُكِمَ بِهَا زَوْجَةً لِلثَّانِي لَأَجْرَيْنَا عَلَيْهَا أَحْكَامَ الْمُقِرَّةِ مِنْ غَيْرِ تَبْعِيضٍ فَهَذَا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ وَمَا انْتَهَتْ إِلَيْهَا أَقْسَامُهَا وَأَحْكَامُهَا .
فَصْلٌ: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُوَكِّلَ الرَّجُلُ وَكِيلَيْنِ فِي أَنْ يُزَوِّجَاهُ فَزَوَّجَاهُ بِامْرَأَتَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ لَزِمَهُ الْعِقْدَانِ وَصَحَّ نِكَاحُهُمَا لَهُ ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ إِذَا زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ: لِأَنَّ الرَّجُلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَا زَوْجَتَيْنِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجَيْنِ ، فَلَوْ قَالَ أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ: زَوَّجْتُكَ مِنْ زَيْنَبَ وَزَوَّجَكَ صَاحِبِي مِنْ هِنْدٍ ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا زَوَّجْتُكَ بِزَيْنَبَ وَزَوَّجَكَ صَاحِبِي مِنْ هِنْدٍ ، فَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا الِاخْتِلَافِ ، وَالنِّكَاحَانِ عَلَى الصِّحَّةِ ، فَلَوْ زَوَّجَهُ الْوَكِيلَانِ بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي عَقْدَيْنِ صَحَّ نِكَاحُهُ عَلَيْهَا ، وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا لَهُ الْحَكَمُ وَالْمَهْرُ دُونَ الثَّانِي ، فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدَانِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ مِنْ وَلِيَّيْنِ صَحَّ النِّكَاحُ أَيْضًا ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَهْرَانِ لَمْ يُحْكَمْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَكَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، فَلَوِ ادَّعَتِ الزَّوْجَةُ تَقَدُّمَ أَكْثَرِ الْعَقْدَيْنِ مَهْرًا وَادَّعَى الزَّوْجُ تَقَدُّمَ أَقَلِّهِمَا مَهْرًا وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحَالَفَا وَحُكِمَ لَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَكِيلَيْنِ .