مُوَاصَلَةِ النَّسَبِ: وَلِأَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى عَنْ وَطْءِ الزِّنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِوَطْءِ النِّكَاحِ مِنَ الْإِحْصَانِ ، وَالْإِحْلَالِ ، وَالْعِدَّةِ ، وَالنَّسَبِ انْتَفَى عَنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِمَا حَرُمَ مِنَ الْوَطْءِ ، وَالْقُبْلَةِ ، وَالْمُلَامَسَةِ بِشَهْوَةٍ لَمَا شَاءَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تُفَارِقَ زَوْجَهَا إِذَا كَرِهَتْهُ إِذَا قَدَرَتْ عَلَى فِرَاقِهِ بِتَقْبِيلِ ابْنِهِ فَيَصِيرُ الْفِرَاقُ بِيَدِهَا ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ بِيَدِ الزَّوْجِ دُونَهَا ، وَلَا يَبْطُلُ هَذَا بِالرِّدَّةِ: لِأَنَّ مَا يَلْزَمُهَا مِنَ الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ أَعْظَمُ مِمَّا تَسْتَفِيدُهُ مِنَ الْفُرْقَةِ ، فَلَمْ تَخْلُصْ لَهَا الْفُرْقَةُ بِالرِّدَّةِ ، وَخَلُصَتْ لَهَا بِالْقُبْلَةِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ [ النِّسَاءِ: 22 ] فَهُوَ أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ ، فَجَازَ فِي الْوَطْءِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [ الْأَحْزَابِ: 49 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ [ النُّورِ: 32 ] يُرِيدُ بِهِ الْعَقْدَ دُونَ الْوَطْءِ ، ثُمَّ لَوْ تَنَاوَلَ الْوَطْءَ مَجَازًا عِنْدَنَا وَحَقِيقَةً عِنْدَهُمْ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى حَلَالِهِ مَخْصُوصًا فِي حَرَامِهِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا . وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَبِنْتِهَا فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ فَلَمْ يَلْزَمْنَا لِنَسْخِهَا بِالْقُرْآنِ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْوَعِيدِ مُتَوَجِّهٌ إِلَيْهِ فِي الْحَرَامِ دُونَ الْحَلَالِ: لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا مَحَالَةَ حَرَامٌ . وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَبِنْتُهَا ، فَلَا دَلِيلَ فِي ظَاهِرِهِ فَعُمِلَ بِمُوجَبِهِ: لِأَنَّ كَشْفَ الْخِمَارِ لَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِ أُمَّهَا وَلَا بِنْتَهَا ، فَإِنْ عَدَلُوا بِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى الْوَطْءِ ، عَدَلْنَا بِهِ إِلَى حَلَالِ الْوَطْءِ أَوْ شُبْهَتِهِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ بِأَنَّهُ وَطْءٌ مَقْصُودٌ كَالنِّكَاحِ ، فَلَيْسَ لِقَوْلِهِمْ"وَطْءٌ مَقْصُودٌ"تَأْثِيرٌ فِي الْحُكْمِ: لِأَنَّ وَطْءَ الْعَجُوزِ الشَّوْهَاءِ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، وَهُوَ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ كَوَطْءِ الشَّابَّةِ الْحَسْنَاءِ ، وَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُهُ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ انْتُقِضَ بِوَطْءِ الْمَيِّتَةِ ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ أَوْجَبَ لُحُوقَ النَّسَبِ ، فَلِذَلِكَ أَوْجَبَ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الزِّنَا ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى وَطْءِ الشُّبْهَةِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الرَّضَاعِ بِعِلَّةِ أَنَّهُ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ فَمُنْتَقِضٌ بِالْعَقْدِ يَفْتَرِقُ حُكْمُ مَحْظُورِهِ الْفَاسِدِ وَمُبَاحِهِ الصَّحِيحِ . وَإِنْ قِيلَ: فَالْعَقْدُ قَوْلٌ ، وَلَيْسَ بِفِعْلٍ . قِيلَ: الْقَوْلُ فِعْلٌ ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الرَّضَاعِ أَنَّهُ لَمَّا تَعَلَّقَ لِمَحْظُورِهِ شَابَهَ أَحْكَامَ الْمُبَاحِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ .