فهرس الكتاب

الصفحة 4140 من 8432

فَصْلٌ: فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَإِنَّهُ حَكَى مُنَاظَرَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِرَاقِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ لِي قَائِلٌ ، يَقُولُ: لَوْ قَبَّلَتِ امْرَأَةٌ ابْنَهُ لِشَهْوَةٍ ، حَرُمَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَبَدًا ، لِمَ قُلْتَ هَذَا ؟ ، فَهَذَا سُؤَالٌ أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ الْمُخَالِفُ ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: قَدْ أَخْطَأَ الْمُزَنِيُّ فِي نَقْلِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ: لِمَ لَا ؟ ، قُلْتُ: هَذَا ، فَحَذَفَ"لَا"وَقَالَ"لِمَ"، قُلْتُ: هَذَا سَهْوًا مِنْهُ ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَقْلُ الْمُزَنِيِّ صَحِيحٌ: لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَ مَذْهَبَهُ فِي أَنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ وَطْأً كَانَ أَوْ لَمْسًا ، فَقَالَ لَهُ الْمُخَالِفُ أَنَا أَقُولُ: لَوْ قَبَّلَتِ امْرَأَةٌ ابْنَهُ بِشَهْوَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أَبَدًا ، لِمَ قُلْتَ هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْكَ فِي أَنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ . فَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ مِنْ قِبَلِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ أُمَّهَاتِ نِسَائِكُمْ ، وَهَذَا بِالنِّكَاحِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ الْحَرَامُ بِالْحَلَالِ ، يَعْنِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ النَّصُّ وَارِدًا فِي النِّكَاحِ كَانَ الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنِ الْحَرَامُ مُلْحَقًا بِهِ: لِأَنَّ حُكْمَ الْحَرَامِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْحَلَالِ ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ هَذَا الْقَائِلِ ، فَقَالَ لِي: أَحَدُهُمَا جِمَاعًا وَجِمَاعًا ، يَعْنِي أَنَّ وَطْءَ الزِّنَا جِمَاعٌ وَوَطْءَ النِّكَاحِ جِمَاعٌ ، فَاقْتَضَى لِتَسَاوِيهِمَا أَنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُهُمَا ، فَأَجَابَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا بِأَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْجِمَاعَيْنِ فِي الْحُكْمِ ، فَقَالَ: جِمَاعًا حُمِدَتْ بِهِ ، وَجِمَاعًا رُجِمَتْ بِهِ ، وَأَحَدُهُمَا نِعْمَةٌ وَجَعَلَتْهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَأَوْجَبَ بِهِ حُقُوقًا وَجَعَلَكَ مَحْرَمًا لِأُمِّ امْرَأَتِكَ وَابْنَتِهَا تُسَافِرُ بِهِمَا ، وَجَعَلَ الزِّنَا نِقْمَةً فِي الدُّنْيَا بِالْحُدُودِ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ ، أَفَتَقِيسُ الْحَرَامَ الَّذِي هُوَ نِقْمَةٌ عَلَى الْحَلَالِ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ . فَبَيَّنَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْجِمَاعَيْنِ لَمَّا افْتَرَقَا فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ الَّتِي أَجْمَعْنَا عَلَيْهَا وَجَبَ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ الَّتِي اخْتَلَفْنَا فِيهَا ، ثُمَّ إِنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَأْنَفَ سُؤَالًا عَلَى هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ لَهُ ، فَقَالَ: إِنْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ: وَجَدْتُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا تَحِلُّ بِجِمَاعِ الزَّوْجِ فَأُحِلُّهَا بِالزِّنَا ؟ ! لِأَنَّهُ جِمَاعٌ كَجِمَاعٍ كَمَا حَرَّمْتُ بِهِ الْحَلَالَ ، وَلِأَنَّهُ جِمَاعٌ وَجِمَاعٌ ، فَأَجَابَهُ هَذَا الْمُنَاظِرُ بِأَنْ قَالَ: إِذًا تُخْطِئُ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّهَا بِإِصَابَةِ زَوْجٍ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَذَلِكَ مَا حَرَّمَ فِي كِتَابِهِ بِنِكَاحِ زَوْجٍ وَإِصَابَةِ زَوْجٍ ، فَأَوْرَدَ أَوَّلَ السُّؤَالِ نَقْضًا ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا بَيْنَ الْجِمَاعَيْنِ فَرْقًا: لِأَنَّهُ أَلْحَقَ الْجِمَاعَ الْحَرَامَ بِالْجِمَاعِ الْحَلَّالِ مِنْ حَيْثُ جَمَعَهُمَا بِالِاسْمِ ، فَعَارَضَهُ بِتَحْلِيلِهَا لِلزَّوْجِ بِالْجِمَاعِ الْحَرَامٍ ، قِيَاسًا عَلَى الْجِمَاعِ الْحَلَالِ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي الِاسْمِ ، فَأَقَرَّ بِتَخْطِئَةِ قَائِلِهِ ، فَصَارَ نَقْضًا ، وَاعْتِرَافًا بِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا فِي الِاسْمِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ فِي الْحُكْمِ ، ثُمَّ حَكَى الشَّافِعِيُّ سُؤَالًا اسْتَأْنَفَهُ مَنَاظِرُهُ . فَقَالَ: قَالَ لِي أَفَيَكُونُ شَيْءٌ يُحَرِّمُهُ الْحَلَالُ لَا يُحَرِّمُهُ الْحَرَامُ أَقُولُ بِهِ ؟ فَأَجَابَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا بِأَنْ قَالَ: نَعَمْ ، يَنْكِحُ أَرْبَعًا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ النِّسَاءِ خَامِسَةً ، أَفَيَحْرُمُ عَلَيْهِ إِذَا زَنَا بِأَرْبَعٍ شَيْءٌ مِنَ النِّسَاءِ ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت