عَلَى الْإِخْبَارِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ قَبْلَ أَوَانِهَا ، وِقَوْلُهَا فِي انْقِضَائِهَا مَقْبُولٌ فَتَصِيرُ مَنْكُوحَةً فِي الْعِدَّةِ ، فَحَظَّرَ اللَّهُ تَعَالَى التَّصْرِيحَ بِخِطْبَتِهَا: حَسْمًا لِهَذَا التَّوَهُّمِ . فَأَمَّا التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا فِي الْعِدَّةِ بِمَا يُخَالِفُ التَّصْرِيحَ مِنَ الْقَوْلِ الْمُحْتَمَلِ فَجَائِزٌ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ [ الْبَقَرَةِ: 235 ] يَعْنِي بِمَا عَرَّضْتُمْ مِنْ جَمِيلِ الْقَوْلِ ، أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ . وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهَا بَعْدَ مَوْتِ أَبِي سَلَمَةَ وَهِيَ تَبْكِي ، وَقَدْ وَضَعَتْ خَدَّهَا عَلَى التُّرَابِ حُزْنًا عَلَى أَبِي سَلَمَةَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُولِي إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَاعْقُبْنِي مِنْهُ ، وَعَوِّضْنِي خَيْرًا مِنْهُ ، وَقَالَتْ أَمُّ سَلَمَةَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ، أَوَّلِ الْمُهَاجِرِينَ هِجْرَةً ، وَابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنِ عَمِّي ، فَلَمَّا تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمْتُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَالْخَبَرُ عَلَى جَوَازِ التَّعْرِيضِ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْوَفَاةِ ، وَأَمَّا الْمُعْتَدَّةُ مِنَ الطَّلَاقِ التعريض بخطبة المعتدة من الطلاق فَثَلَاثٌ ، فَلَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ أَنْ يَخْطُبَهَا بِصَرِيحٍ ، وَلَا تَعْرِيضٍ: لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ الْخِطْبَةُ . وَأَمَّا غَيْرُ الْمُطَلِّقِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَرِّحَ بِخِطْبَتِهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعَرِّضَ لَهَا ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفَصٍ ثَلَاثًا ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ -: إِذَا أَحْلَلْتِ فَآذِنِينِي ، وَرَوَتْ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: إِذَا حَلَلْتِ فَلَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ ، فَكَانَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا لَهَا . وَفِي مَعْنَى الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا: الْمُلَاعِنَةُ ، وَالْمُحَرَّمَةُ بِمُصَاهَرَةٍ أَوْ رَضَاعٍ ، فَإِذَا حَلَّ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا ، فَفِي كَرَاهِيَتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا - قَالَهُ فِي كِتَابِ"الْأُمِّ"-: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ: لِأَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ . قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ"وَالْإِمْلَاءِ". قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَمْرُهَا فِي ذَلِكَ أَخَفُّ مِنَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، جَازَ ذَلِكَ: لِأَنَّ هُنَاكَ مُطَلِّقًا بِهِ يُمْنَعُ مِنْ تَزْوِيجِهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْبَائِنُ الَّتِي تَحِلُّ لِلزَّوْجِ ، فَهِيَ الْمُخْتَلِعَةُ إِذَا كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُصَرِّحَ بِخِطْبَتِهَا: لِأَنَّهُ يَحِلُّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا ، فَأَمَّا غَيْرُ الزَّوْجِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَرِّحَ لِخِطْبَتِهَا وَفِي جَوَازِ تَعْرِيضِهِ لَهَا بِالْخِطْبَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِإِبَاحَتِهَا لِلْمُطَلِّقِ كَالرَّجْعِيَّةِ . قَالَهُ فِي كِتَابِ الْبُوَيْطِيِّ .