لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْخِطْبَةِ رَفْعُ الضَّرَرِ ، وَالْمَنْعُ مِنَ التَّقَاطُعِ ، فَلَوْ حُمِلَ النَّهْيُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِيمَنْ لَمْ تَأْذَنْ لَهُ حَلَّ الضَّرَرُ عَلَيْهَا . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تُمْسِكَ عَنْ خِطْبَتِهَا ، فَلَا يَكُونُ مِنْهَا إِذْنٌ وَلَا رِضًا ، وَلَا يَكُونُ مِنْهَا رَدٌّ وَلَا كَرَاهِيَةٌ ، فَيَجُوزُ خِطْبَتُهَا وَإِنْ تَقَدَّمَ الْأَوَّلُ بِهَا: لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الْمَخْزُومِيَّةِ أَنَّ زَوْجَهَا أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفَصٍ بَتَّ طَلَاقَهَا ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي ، فَلَمَّا حَلَّتْ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَطَبَنِي مُعَاوِيَةُ وَأَبُو جَهْمٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ . وَرَوَى عَطَاءٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَأَخَافُ عَلَيْكِ فَسْفَاسَتَهُ ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ أَخْلَقُ مِنَ الْمَالِ - أَمَّا الْفَسْفَاسَةُ: فَهِيَ الْعَصَا ، وَأَمَّا الْأَخْلَقُ مِنَ الْمَالِ ، فَهُوَ الْخُلُوُّ مِنْهُ - انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ ، ثُمَّ أَطَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَكَحْتُهُ فَرُزِقْتُ مِنْهُ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ بِهِ ، فَكَانَ الدَّلِيلُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ قَدْ خَطَبَهَا بَعْدَ صَاحِبِهِ فَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَطَبَهَا لِأُسَامَةَ بَعْدَ خِطْبَتِهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِمْسَاكَ عَنِ الْإِجَابَةِ لَا يَقْتَضِي الْخِطْبَةَ إجابة الخاطب: وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَظْهَرَ مِنْهَا الرِّضَا بِالْخَاطِبِ ، وَلَا تَأْذَنُ فِي الْعَقْدِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَرِّرَ صَدَاقَهَا أَوْ بِشَرْطِ مَا تُرِيدُ مِنَ الشُّرُوطِ لِنَفْسِهَا ، فَفِي تَحْرِيمِ خِطْبَتِهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا - وَبِهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ -: أَنَّهَا تَحْرُمُ خِطْبَتُهَا بِالرِّضَا: اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ النَّهْيِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ -: أَنَّهُ لَا تَحْرُمُ خِطْبَتُهَا بِالرِّضَا حَتَّى تُصَرِّحَ بِالْإِذْنِ: لِأَنَّ الْأَصْلَ إِبَاحَةُ الْخِطْبَةِ مَا لَمْ تَتَحَقَّقْ شُرُوطُ الْحَظْرِ ، فَعَلَى هَذَا وَإِنِ اقْتَرَنَ بِرِضَاهَا إِذْنُ الْوَلِيِّ فِيهِ نَظَرٌ: فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا لَا تَتَزَوَّجُ إِلَّا بِصَرِيحِ الْإِذْنِ لَمْ تَحْرُمْ خِطْبَتُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَيَكُونُ الرِّضَا وَالسُّكُوتُ مِنْهَا إِذْنًا حَرُمَتْ خِطْبَتُهَا بِرِضَاهَا وَإِذْنِ وَلَيِّهَا ، وَهَاهُنَا قِسْمٌ خَامِسٌ: وَهُوَ أَنْ يَأْذَنَ وَلَيُّهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا إِذْنٌ أَوْ رِضًا ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْوَلِيُّ مِمَّنْ يُزَوِّجُ بِغَيْرِ إِذْنٍ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ مَعَ الْبِكْرِ حَرُمَتْ خِطْبَتُهَا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُزَوِّجُ إِلَّا بِإِذْنٍ لَمْ تَحْرُمْ خِطْبَتُهَا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ حَتَّى تَكُونَ هِيَ الْآذِنَةَ فِيهِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُ خِطْبَتِهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ ، فَأَقْدَمَ رَجُلٌ