فهرس الكتاب

الصفحة 4179 من 8432

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: إِنَّ مَنَاكِحَهُمْ بَاطِلَةٌ المشركين ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّهَا مَعْفُوٌّ عَنْهَا ، فَغَلِطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَخَرَجَ اخْتِلَافُ هَذِهِ النُّصُوصِ الثَّلَاثَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ ، الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ أَقَاوِيلِهِ فِيهَا ، وَلَكِنَّهُ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ مَنَاكِحِهِمْ الكفار ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: صَحِيحَةٌ ، وَبَاطِلَةٌ ، وَمَعْفُوٌّ عَنْهَا . فَأَمَّا الصَّحِيحُ مِنْهَا: فَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْكَافِرُ الْكَافِرَةَ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنَ بِلَفْظِ النِّكَاحِ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ ، فَهَذَا النِّكَاحُ صَحِيحٌ ، فَإِذَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ أُقِرُّوا وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الشَّافِعِيُّ بِالصِّحَّةِ . فَأَمَّا الْبَاطِلُ مِنْهَا: فَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي الشِّرْكِ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنَسَبٍ ، أَوْ رَضَاعٍ ، أَوْ مُصَاهَرَةٍ ، فَهَذَا النِّكَاحُ بَاطِلٌ ، فَإِذَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ لَمْ يُقَرُّوا ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَكَحَهَا بِخِيَارٍ مُؤَبَّدٍ ، وَهَذَا الَّذِي أَرَادَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ . وَأَمَّا الْمَعْفُوُّ عَنْهُ: فَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنَسَبٍ ، وَلَا رَضَاعٍ ، وَلَا مُصَاهَرَةٍ ، بِمَا يَرَوْنَهُ نِكَاحًا مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ ، وَلَا بِلَفْظِ نِكَاحٍ وَلَا تَزْوِيجٍ ، فَهَذَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ ، فَإِذَا أَسْلَمُوا قُرُّوا عَلَيْهِ: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْشِفْ عَنْ مَنَاكِحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ جَوَازُ مَنَاكِحِهِمْ ، فَلَهُمْ إِذَا حَدَثَ بَيْنَهُمْ إِسْلَامٌ حَالَتَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُسْلِمَ الزَّوْجَانِ مَعًا . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُهُمَا . فَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ بِأَنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعٌ فَمَا دُونَ ، وَأَسْلَمْنَ كُلُّهُنَّ مَعَهُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، ثَبَتَ نِكَاحُهُنَّ كُلِّهِنَّ ، سَوَاءٌ كَانَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامُهُنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ خَمْسُ زَوْجَاتٍ فَمَا زَادَ ، وَقَدْ أَسْلَمَ جَمِيعُهُنَّ بِإِسْلَامِهِ الزوج ، كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ جُمْلَتِهِنَّ أَرْبَعًا سَوَاءٌ نَكَحَهُنَّ جَمِيعَهُنَّ فِي الشِّرْكِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي عُقُودٍ ، وَسَوَاءٌ أَمْسَكَ الْأَوَائِلَ أَوِ الْأَوَاخِرَ ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي بِغَيْرِ طَلَاقٍ ، وَبِمِثْلِ قَوْلِنَا قَالَ مَالِكٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي بَعْدَ الْأَرْبَعِ إِلَّا بِطَلَاقٍ ، وَهَكَذَا لَوْ نَكَحَ فِي الشِّرْكِ أُخْتَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَتَا مَعًا ، أَمْسَكَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْأُخْرَى ، بِغَيْرِ طَلَاقٍ عِنْدَنَا وَبِطَلَاقٍ عِنْدَ مَالِكٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ: لَا اعْتِبَارَ بِخِيَارِهِ ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِعَقْدِهِ ، فَإِنْ تَزَوَّجَ فِي الشِّرْكِ عَشْرًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ أَسْلَمْنَ مَعَهُ بَطَلَ نِكَاحُ جَمِيعِهِنَّ ، فَإِنْ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقُودٍ ثَبَتَ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ الْأَوَائِلِ ، وَبَطَلَ نِكَاحُ مَنْ بَعْدَهُنَّ مِنَ الْأَوَاخِرِ اعْتِبَارًا بِنِكَاحِ الْمُسْلِمِ ، وَهَكَذَا لَوْ أَنْكَحَ أُخْتَيْنِ أَسْلَمَتَا مَعَهُ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ قَدْ نَكَحَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بَطَلَ نِكَاحُهُمَا ، وَإِنْ كَانَ فِي عَقْدَيْنِ ثَبَتَ نِكَاحُ الْأُولَى مِنْهُمَا ، وَبَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ نَكَحَهُنَّ فِي عُقُودٍ ثَبَتَ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ الْأَوَائِلِ ، وَإِنْ نَكَحَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهُنَّ ، وَاخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت