فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْآيَةِ: فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهَا: لِأَنَّهَا لَا تُرَدُّ الْمُسْلِمَةُ إِلَى كَافِرٍ ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ ، وَلَا تُمْسَكُ بِعِصْمَةِ كَافِرٍ ، وَإِنَّمَا يَرُدُّهَا إِلَى مُسْلِمٍ ، وَيُمْسِكُ بِعِصْمَةِ مُسْلِمَةٍ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتَأْنَفَ لَهَا نِكَاحًا: لِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ حِينَ أَسَرَهُ أَبُو بَصِيرٍ الثَّقَفِيُّ بِسَيْفِ الْبَحْرِ مِنْ نَحْوِ الْجَارِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى السَّبْيِ وَالِاسْتِرْقَاقِ فَلَيْسَ الْمَعْنَى فِيهِ افْتِرَاقُ الدَّارَيْنِ إِنَّمَا حُدُوثُ الِاسْتِرْقَاقِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوِ اسْتُرِقَّ أَحَدُهُمَا وَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ بَطَلَ النِّكَاحُ ، وَلَوِ اسْتُرِقَّا مَعًا بَطَلَ النِّكَاحُ ، فَصَارَ السَّبْيُ مُخَالِفًا لِلْإِسْلَامِ ، وَعَلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ بِالِاسْتِرْقَاقِ غَيْرُ مُنْتَظِرَةٍ بِحَالٍ ، وَالْفُرْقَةَ بِالْإِسْلَامِ مُنْتَظِرَةٌ فِي حَالٍ فَافْتَرَقَا . وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّهَا مُتَغَلِّبَةٌ عَلَى بُضْعِهَا فَلَا يَصِحُّ: لِأَنَّ الْأَعْيَانَ تُمْلَكُ بِالتَّغَلُّبِ دُونَ الْأَبْضَاعِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مُسَلِّمًا لَوْ غَلَبَ عَلَى بُضْعِ مُشْرِكَةٍ لَمْ تَصِرْ زَوْجَةً ، وَلَمْ يَصِرْ زَوْجًا وَلَوْ تَغَلَّبَ عَلَى رَقَبَتِهَا صَارَتْ مِلْكًا .
فَصْلٌ: وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ إِسْلَامَ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَا يُوجِبُ تَعْجِيلَ الْفُرْقَةِ أحد الزوجين بِأَنَّهُ إِسْلَامٌ طَرَأَ عَلَى نِكَاحٍ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُبْطِلَهُ قِيَاسًا عَلَى إِسْلَامِهِمَا مَعًا ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ سَبَبٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ النِّكَاحُ: لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَسْتَبِيحُ الْمُسْلِمَةَ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ ، وَمَا كَانَ سَبَبًا فِي إِبَاحَةِ الْمَحْظُورِ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا فِي حَظْرِ الْمُبَاحِ . وَدَلِيلُنَا عَلَيْهِ: هُوَ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ إِذَا مَنَعَ مِنْ تَأْبِيدِ الْمُقَامِ عَلَى النِّكَاحِ تَعَجَّلَتْ بِهِ الْفُرْقَةُ إِذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ كَالرِّدَّةِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ إِذَا وُجِدَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ تَقَعْ بِهِ الْفُرْقَةُ إِلَّا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، وَجَبَ إِذَا وُجِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ إِنْ تَعَجَّلَ بِهِ الْفُرْقَةَ كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ ، فَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى إِسْلَامِهِمَا مَعًا ، فَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بِإِسْلَامِهِمَا تَأْبِيدُ الْمُقَامِ عَلَى النِّكَاحِ فَكَانَ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَإِسْلَامُ أَحَدِهِمَا يَمْنَعُ تَأْبِيدَ الْمُقَامِ فَتَعَجَّلَ بِهِ فَسْخُ الْعَقْدِ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ مُنْتَقِضٌ بِالرِّدَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَوِ ارْتَدَّا مَعًا قَبْلَ الدُّخُولِ كَانَا عَلَى النِّكَاحِ ، ثُمَّ لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَطَلَ النِّكَاحُ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ مَا كَانَ سَبَبًا فِي الْإِبَاحَةِ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا فِي الْحَظْرِ ، فَفَاسِدٌ بِالطَّلَاقِ ، وَهُوَ سَبَبٌ لِتَحْرِيمِ الْمُطَلَّقَةِ وَإِبَاحَةِ أُخْتِهَا ، وَسَبَبٌ لِإِبَاحَتِهَا لِغَيْرِ مُطَلِّقِهَا ، وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِهَا عَلَى مُطَلِّقِهَا ، ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ الَّذِي هُوَ مُسَبِّبُ الْإِبَاحَةِ سَبَبًا لِلتَّحْرِيمِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، وَكَذَلِكَ قَبْلَهَا . وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ إِسْلَامَ أَحَدِهِمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَوَجَبَ بَقَاءُ النِّكَاحِ عَلَى الْأَبَدِ مَا لَمْ يُعْرَضِ الْإِسْلَامُ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ مِنْهُمَا فِي الشِّرْكِ ، فَإِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ ، أَوْقَعَ