الْحَاكِمُ الْفُرْقَةَ بِطَلْقَةٍ تَعَلُّقًا بِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْحَادِثِ ، وَلَيْسَ يَخْلُوِّ الْحَادِثُ مِنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِإِسْلَامِ مَنْ أَسْلَمَ ، أَوْ لِكُفْرِ مَنْ تَأَخَّرَ ، أَوْ لِحُكْمِ حَاكِمٍ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ لِلْإِسْلَامِ: لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِزَوَالِ مِلْكِهِ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ لِلْكُفْرِ: لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ ، وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، فَاقْتَضَى أَنْ تَتَعَلَّقَ الْفُرْقَةُ بِهِ ، تَقَدَّمَ الْحُكْمُ أَوْ تَأَخَّرَ ، قَالَ: وَلِأَنَّ إِسْلَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لَا يُوقِعُ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ . وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ اخْتِلَافَ الدِّينِ إِذَا مَنَعَ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ أَوْجَبَ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ: قِيَاسًا عَلَى إِسْلَامِ أَحَدِهِمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَلِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ أَغْلَظُ فِي أَحْكَامِ النِّكَاحِ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ ، ثُمَّ كَانَتْ دَارُ الشِّرْكِ لَا تُرَاعِي فِي وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا حُكْمَ الْحَاكِمِ ، فَدَارُ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ أَوْلَى . فَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ الْأَوَّلُ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْفُرْقَةَ إِنَّمَا وَقَعَتْ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ الْمَانِعِ مِنِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ ، وَلَيْسَ مِنَ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فَلَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا . وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى إِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ ، فَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ: لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ كِتَابِيَّةً لَمْ تَقَعِ الْفُرْقَةُ بِإِسْلَامِ الزَّوْجِ الْكِتَابِيِّ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مِلَّتِنَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ وَثَنِيَّةً ، وَلَا الْوَثَنِيُّ مُسْلِمَةً ، فَجَازَ أَنْ تَقَعَ الْفُرْقَةُ بِإِسْلَامِ أَحَدِ الْوَثَنِيَّيْنِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ النِّكَاحَ بِإِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ حكم بَاطِلٌ ، وَأَنَّهُ بَعْدَ الدُّخُولِ مَوْقُوفٌ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ النكاح بإسلام أحد الزوجين ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ إِسْلَامِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ أَوِ اتِّفَاقِهِمَا بِخِلَافِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَإِنَّ الزَّوْجَةَ الْمَدْخُولَ بِهَا قَبْلَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهِمَا جَارِيَةٌ فِي عِدَّةِ الْفُرْقَةِ ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمِ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا فِي الشِّرْكِ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ ، بِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِتَقَدُّمِ الْإِسْلَامِ ، وَحَلَّتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ هَذِهِ الْعِدَّةِ لِلْأَزْوَاجِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَتْ تِلْكَ الْعِدَّةُ عِدَّةَ فُرْقَةٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ عِدَّةٌ يُعْتَبَرُ بِهَا صِحَّةُ النِّكَاحِ بِاجْتِمَاعِ الْإِسْلَامَيْنِ فِيهِمَا ، فَإِذَا لَمْ يَجْتَمِعْ إِسْلَامُهُمَا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِانْقِضَائِهَا . وَهَذَا خَطَأٌ: لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ عِدَّةً أُخْرَى وَلَا تُوَفِّيهَا ، فَإِنْ أَوْجَبَ عَلَيْهَا عِدَّةً أُخْرَى فَقَدْ أَلْزَمَهَا عِدَّتَيْنِ ، وَلَيْسَتْ تَجِبُ عَلَى الْمُفَارَقَةِ إِلَّا عِدَّةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا عِدَّةً أُخْرَى ، بَطَلَ قَوْلُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَوْجَبَ الْعِدَّةَ قَبْلَ الْفُرْقَةِ ، وَأَسْقَطَهَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ إِمَّا لِاسْتِبْرَاءٍ أَوْ فُرْقَةٍ ، وَقَدْ أَوْجَبَهَا لِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ وَلَا فُرْقَةٍ ، وَإِذَا صَحَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ تَقَدُّمَ الْإِسْلَامُ فَطَلَّقَهَا فِي حَالِ الْعِدَّةِ ، أَوْ آلَى مِنْهَا ، أَوْ ظَاهَرَ كَانَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى مَا يَكُونُ مِنِ اجْتِمَاعِ الْإِسْلَامَيْنِ ، فَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ فِي الْعِدَّةِ صَحَّ الْإِيلَاءُ