وَرَوَى أَبُو غَطْفَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَرَّقَ بَيْنَ مُحْرِمَيْنِ تَزَوَّجَا . وَرَوَى قُدَامَةُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ شَوْذَبٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَفَرَّقَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بَيْنَهُمَا ، فَلَمَّا رُوِيَ عَنْهُمُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، وَلَا يَسُوغُ ذَلِكَ فِي عَقْدٍ يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّصَّ فِيهِ ثَابِتٌ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى ثَابِتٌ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ الْإِحْرَامُ كَالْوَطْءِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ ، فَقَدْ رَوَى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهُمَا حَلَالَانِ . وَرَوَى رَبِيعَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا ، وَبَنَى بِهَا حَلَالًا ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولُ بَيْنَهُمَا . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، فَضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَإِنْ صَحَّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ ، عَلَى أَنَّ أَبَا الطِّيِّبِ ابْنَ سَلَمَةَ جَعَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصًا بِالنِّكَاحِ فِي الْإِحْرَامِ . وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى شِرَاءِ الْإِمَاءِ ، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الِاسْتِمْتَاعَ ، لِجَوَازِ شِرَاءِ الْمُعْتَدَّةِ وَذَاتِ الْمَحْرَمِ ، وَكَذَلِكَ الْمُحْرِمَةُ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ الِاسْتِمْتَاعُ ، إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ مُعْتَدَّةً وَلَا ذَاتَ مَحْرَمٍ وَكَذَلِكَ الْمُحْرِمَةُ . فَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَتَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ: لِأَنَّهَا سَدُّ ثَلْمٍ فِي الْعَقْدِ وَرَفْعُ تَحْرِيمٍ طَرَأَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَتْ عَقْدًا مُبْتَدَأً ، فَجَازَتْ فِي الْإِحْرَامِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ يُرَاجِعُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، اعْتِبَارًا بِهَذَا الْمَعْنَى .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا أَنَّ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ بَاطِلٌ ، فَمَتَى كَانَ الزَّوْجُ مُحْرِمًا ، فَوَكَّلَ حَلَالًا فِي الْعَقْدِ كَانَ النِّكَاحُ بَاطِلًا: لِأَنَّهُ نِكَاحٌ لِمُحْرِمٍ ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ حَلَالًا فَوَكَّلَ مُحْرِمًا في عقد النكاح كَانَ النِّكَاحُ بَاطِلًا: لِأَنَّهُ نِكَاحٌ عَقَدَهُ مُحْرِمٌ ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْوَلِيُّ مُحْرِمًا ، فَوَكَّلَ حَلَالًا أَوْ كَانَ حَلَالًا فَوَكَّلَ مُحْرِمًا ، كَانَ النِّكَاحُ بَاطِلًا . فَأَمَّا الْحَاكِمُ إِذَا كَانَ مُحْرِمًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ مُسْلِمَةً . وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ كَافِرَةً أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ كَالْمُسْلِمَةِ . وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ: لِأَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا بِوِلَايَةٍ ، وَإِنَّمَا يُزَوِّجُهَا لِحُكْمٍ فَجَرَى مَجْرَى سَائِرِ أَحْكَامِهِ فِي إِحْرَامِهِ .