فهرس الكتاب

الصفحة 4266 من 8432

قِيلَ: إِنَّمَا مَنْعُ الشَّرْعِ مِنْ أَنَّ الطَّبِيعَةَ هِيَ الَّتِي تُحْدِثُ الْعَدْوَى كَمَا يَزْعُمُ الطِّبُّ ، وَلَا يَمْنَعُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ فِيهَا الْعَدْوَى كَمَا جَعَلَ فِي النَّارِ الْإِحْرَاقَ ، وَفِي الطَّعَامِ الشِّبَعَ ، وَفِي الْمَاءِ الرِّيَّ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ ، وَامْتَنَعَ مِنْ مُبَايَعَةِ الْأَجْذَامِ . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى سَرْغَ تَلَقَّاهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ وَأَخْبَرُوهُ بِحُدُوثِ الطَّاعُونِ بِالشَّامِ ، فَتَوَقَّفَ عَنِ الْمَسِيرِ وَشَاوَرَ الْمُهَاجِرِينَ فِي الْمَسِيرِ أَوِ الرُّجُوعِ فَاخْتَلَفُوا ، وَشَاوَرَ الْأَنْصَارَ فَاخْتَلَفُوا ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ غَائِبًا عَنْهُمْ فَحَضَرَ فَشَاوَرَهُ عُمَرُ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا ، قَالَ عُمْرُ: مَا هُوَ ؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي وَادٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ وَأَنْتُمْ فِيهِ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهُ ، فَحَمِدَ عُمَرُ اللَّهَ تَعَالَى وَرَجَعَ وَرَجَعَ النَّاسُ مَعَهُ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"لَبَنُ الْحَمْقَى يُعْدِي". فَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ"فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ رَدُّ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مِنْ عَدْوَى الْأَوَّلِ ، وَلَوْلَاهُ مَا جَرِبَتْ ، وَقَالَ:"مِنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ"أَيْ إِذَا كَانَ الْأَوَّلُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، يَعْنِي عَدْوَى كَانَ مَا بَعْدَهُ مِنْهُ . فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ أَضَافَ الشَّافِعِيُّ الْعَدْوَى إِلَى الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ ، وَلَمْ يُضِفْهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى . قِيلَ: عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ وَالتَّوَسُّعِ فِي الْعِبَارَةِ كَمَا يُقَالُ: طَالَتِ النَّخْلَةُ ، وَقَصُرَ اللَّيْلُ ، وَأَثْمَرَتِ الشَّجَرَةُ ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَحْكَامِ الْعُيُوبِ فَوَجَدَ الزَّوْجُ بِالزَّوْجَةِ قَلِيلًا مِنْ بَرَصٍ أَوْ جُذَامٍ عَرَضَ بِهِ فَانْتَشَرَ وَزَادَ حَتَّى صَارَ كَثِيرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ: لِأَنَّ الرَّاضِي بِقَلِيلِهِ رَاضٍ بِكَثِيرِهِ ، وَلِأَنَّ قَلِيلَهُ فِي الْغَالِبِ يَصِيرُ كَثِيرًا ، وَلَوْ ظَهَرَ بِهَا بَرَصٌ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الْأَوَّلِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الثَّانِي أَقْبَحَ مَنْظَرًا مِنَ الْأَوَّلِ كَأَنَّهُ كَانَ الْأَوَّلُ فِي فَخْذِهَا وَحَدَثَ الثَّانِي فِي وَجْهِهَا ، فَلَهُ الْخِيَارُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي"الْإِمْلَاءِ": لِأَنَّ النَّفْسَ مِنَ الثَّانِي أَشَدُّ نُفُورًا مِنَ الْأَوَّلِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْأَوَّلِ فِي الْقُبْحِ ، كَأَنَّهُ كَانَ الْأَوَّلُ فِي يَدِهَا الْيُمْنَى وَالثَّانِي فِي يَدِهَا الْيُسْرَى ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت