الْمَذْهَبَيْنِ ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَوْهَبٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهُ كَانَ لَهَا غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ ، فَأَرَادَتْ عِتْقَهَا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ابْدَئِي بِالْغُلَامِ ، فَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَقْدِيمِ عِتْقِ الزَّوْجِ إِلَّا لِفَائِدَةٍ ، وَلَا فَائِدَةَ إِلَّا سُقُوطُ خِيَارِ الزَّوْجَةِ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: ابْدَئِي بِالْغُلَامِ: لِأَنْ لَا يَكُونَ لِلزَّوْجَةِ خِيَارٌ ، فَكَانَ هَذَا نَصًّا صَرِيحًا . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ: أَنَّهَا كَافَأَتْ زَوْجَهَا فِي الْفَضِيلَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ لَهَا بِذَلِكَ خِيَارٌ كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ تَحْتَ مُسْلِمٍ أَوْ أَفَاقَتْ مِنْ جُنُونٍ تَحْتَ عَاقِلٍ ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْخِيَارُ فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْخِيَارُ فِي أَثْنَاءِ النِّكَاحِ كَالْعَمَى طَرْدًا ، وَكَالْجَبِّ عَكْسًا ، وَلِأَنَّ مَا لَزِمَ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ خِيَارٌ كَالْبَيْعِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِقَوْلِهِ:"قَدْ مَلَكْتِ بُضْعَكِ فَاخْتَارِي"فَهُوَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَا نَقَلَهُ غَيْرُهُمْ وَلَا وُجِدَ إِلَّا فِي كُتُبِهِمْ ، ثُمَّ يَكُونُ مَعْنَاهُ: قَدْ مَلَكْتِ نَفْسَكِ تَحْتَ الْعَبْدِ فَاخْتَارِي ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا تَحْتَ الْحُرِّ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا كَانَ عَبْدًا ، فَالْمَعْنَى فِيهِ نَقْصُهُ بِالرِّقِّ عَنْ كَمَالِهَا بِالْحُرِّيَّةِ ، فَذَلِكَ كَانَ عَيْبًا يُوجِبُ الْخِيَارَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِتْقُهَا مَعَ الْحُرِّ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ عَلَيْهَا بُضْعَهَا بِمَهْرٍ مَلَكَهُ غَيْرُهَا ، فَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا الْمَعْنَى وَاسْتِحْقَاقِ الْخِيَارِ: لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُكَاتِبَةً وَقْتَ الْعَقْدِ فَمَلَكَتْ مَهْرَهَا ثُمَّ أُعْتِقَتْ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقُهُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ ، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْعِلَّةَ: لِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتْ بِالْعِتْقِ مَا مُلِكَ عَلَيْهَا فِي الرِّقِّ: لِأَنَّهَا لَوْ أُوجِرَتْ ثُمَّ عُتِقَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ خِيَارٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ التَّعْلِيلُ بِوَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ، فَبَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:"فَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ لَهَا الْخِيَارُ إِذَا أُعْتِقَتْ ، مَا لَمْ يُصِبْهَا زَوْجُهَا بَعْدَ الْعِتْقِ ، وَلَا أَعْلَمُ فِي تَأَقْيِتِ الْخِيَارِ شَيْئًا يُتَّبَعُ إِلَّا قَوْلَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَمَسَّهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِذَا ثَبَتَ أَنْ لَا خِيَارَ لَهَا إِذَا أُعْتِقَتْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا عَبْدًا فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ الْفَسْخَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ ، وَغَيْرِ حُكْمِهِ الْأَمَةِ تُعْتَقُ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ وهل يَكُونُ خِيَارُهَا عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي بِخِلَافِ الْفَسْخِ بِالْعُيُوبِ: لِأَنَّ خِيَارَهَا بِالْعِتْقِ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى حَاكِمٍ ، وَخِيَارَهَا بِالْعَيْبِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَافْتَقَرَ إِلَى حَاكِمٍ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَلْ يَكُونُ خِيَارُهَا عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ مُعْتَبَرًا بِالْمُكْنَةِ: لِأَنَّهُ خِيَارُ عَيْبٍ ثَبَتَ لِرَفْعِ ضَرَرٍ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ كَالْخِيَارِ بِالْعِتْقِ فِي الْبُيُوعِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُمْتَدٌّ بَعْدَ الْعِتْقِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هِيَ آخِرُ حَدِّ الْقَلِيلِ ، وَأَوَّلُ حَدِّ الْكَثِيرِ ، وَاعْتِبَارًا بِالْخِيَارِ فِي الْمُصَرَّاةِ ثَلَاثًا ، بِأَنَّهُ جَعَلَ الْخِيَارَ خِيَارَ ثَلَاثٍ .