فهرس الكتاب

الصفحة 4284 من 8432

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ تُصَرِّحْ بِالرِّضَى أَوِ التَّمْكِينِ مِنْ نَفْسِهَا: لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبَرِيرَةَ: لَمَّا رَأَى مُغِيثًا بَاكِيًا:"لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ"، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ زَمَانٍ مِنْ عِتْقِهَا ، فَلَوْلَا امْتِدَادُ خِيَارِهَا عَلَى التَّرَاخِي لَأَبْطَلَهُ ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادٍ رَفَعَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبَرِيرَةَ:"لَكِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يُصِبْكِ"، وَهَذَا نَصٌّ إِنْ صَحَّ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ وَلَيْسَ يُعْرَفُ لَهُمَا فِيهِ خِلَافٌ ، وَلِأَنَّ طَلَبَ الْأَحَظِّ فِي هَذَا الْخِيَارِ مُثْبِتُهُ يَحْتَاجُ إِلَى فِكْرٍ وَارْتِيَاءٍ ، فَتَرَاخَى زَمَانُهُ لِيُعْرَفَ بِامْتِدَادِهِ أَحَظُّ الْأَمْرَيْنِ لَهَا ، وَخَالَفَ خِيَارَ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا يُشْتَبَهُ الْأَحُظُّ مِنْهَا .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"فَإِنْ أَصَابَهَا فَادَّعَتِ الْجَهَالَةَ ، فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا خِيَارَ لَهَا ، وَالْآخَرُ: لَهَا الْخِيَارُ ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيْنَا ( قُلْتُ أَنَا ) وَقَدْ قَطَعَ بِأَنَّ لَهَا الْخِيَارَ فِي كِتَابَيْنِ ، وَلَا مَعْنَى فِيهَا لِقَوْلَيْنِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي أَمَةٍ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَمَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا ثُمَّ ادَّعَتِ الْجَهَالَةَ ، وَأَرَادَتْ فَسْخَ نِكَاحِهِ فَدَعْوَى الْجَهَالَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَدَّعِي الْجَهَالَةَ بِالْعِتْقِ ، وَأَنَّهَا لَمْ تَعْلَمْ بِهِ حَتَّى مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُعْلَمَ صِدْقَهَا لِبُعْدِهَا عَنِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ سَيِّدُهَا ، وَقُرْبِ الزَّمَانِ عَنْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا خَبَرُ عِتْقَهَا ، فَقَوْلُهَا مَقْبُولٌ وَلَهَا الْخِيَارُ: لِأَنَّ خِيَارَ الْعُيُوبِ لَا يُبْطَلُ بِالتَّأْخِيرِ إِذَا جَهِلَتْ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَعْلَمَ كَذَلِكَ بِهَا: لِأَنَّهَا وُجِّهَتْ بِالْعِتْقِ ، أَوْ بُشِّرَتْ بِهِ ، فَعَلِمَتْ أَحْكَامَهَا ، فَقَوْلُهَا مَرْدُودٌ ، وَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَ التَّمْكِينِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْتَمِلَ الْأَمْرَيْنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا: لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلْمِهَا ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهَا فَلَمْ يُصَدَّقِ الزَّوْجُ فِي إِبْطَالِهِ عَلَيْهَا ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَ فِيهِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الزَّوْجِ: لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ ثُبُوتُ النِّكَاحِ فَلَا يَقْبَلُ قَوْلَهَا فِي فَسْخِهِ مَعَ احْتِمَالِ تَخْرِيجِهَا مِنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَهَالَةِ بِالْحُكْمِ .

فَصْلٌ: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَدَّعِي الْجَهَالَةَ بِالْحُكْمِ مَعَ عِلْمِهَا بِالْعِتْقِ في الأمة إذا أعتقت تَحْتَ عَبْدٍ فَمَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا ثُمَّ ادَّعَتِ الْجَهَالَةَ بالعتق أو كانت عالمة به فَتَقُولُ: لَمْ أَعْلَمْ بِأَنَّ لِي الْخِيَارَ إِذَا أُعْتِقْتُ فَمَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِي ، وَإِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِالْعِتْقِ فَهُوَ أَيْضًا عَلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ: أَحَدُهَا: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مِثْلَهَا لَا يَعْلَمُ: لِأَنَّهَا جَلِيبَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ فَقَوْلُهَا مَقْبُولٌ ، وَلَهَا الْخِيَارُ . وَالثَّانِي: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مِثْلَهَا يَعْلَمُ: لِأَنَّهَا مُخَالَطَةٌ لِلْفُقَهَاءِ مُسَائِلَةٌ الْعُلَمَاءَ ، فَقَوْلُهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ ، وَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَ التَّمْكِينِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت