فهرس الكتاب

الصفحة 4398 من 8432

نَبِيُّ اللَّهِ مِنْ نِكَاحِ الْمَوْهُوبَةِ بِغَيْرِ مَهْرٍ ، وَمِنْ حُكْمِ الزِّنَا الَّذِي لَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ مَهْرٌ ، فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَ التَّفْوِيضُ إِبْرَاءً مِنَ الْمَهْرِ ، فَلَا يَجِبُ لَهَا بِالدُّخُولِ مَهْرٌ ؟ . قِيلَ: الْإِبْرَاءُ إِنَّمَا يَصِحُّ مِمَّا وَجَبَ ، وَهَذَا مَهْرٌ وَجَبَ بِالدُّخُولِ ، فَلَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ بِالْعَقْدِ . فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ بَذَلَتْ لَهُ يَدَهَا فَقَطَعَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ دِيَتُهَا ، وَهُوَ إِبْرَاءٌ قَبْلَ الْوُجُوبِ ، فَهَلَّا إِذَا بَذَلَتْ لَهُ بُضْعَهَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاءً قَبْلَ الْوُجُوبِ ؟ . قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ إِذْنَهَا بِقَطْعِ الْيَدِ نِيَابَةٌ عَنْهَا ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهَا أَنْ تَتَوَلَّى قَطْعَ يَدِهَا بِنَفْسِهَا ، فَصَارَتْ كَالْقَاطِعَةِ لِيَدِهَا بِنَفْسِهَا ، فَلِذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ الْغُرْمُ ، وَلَيْسَ الْبُضْعُ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا الِاسْتِمْتَاعُ بِبُضْعِ نَفْسِهَا ، فَصَارَ الزَّوْجُ مُسْتَمْتِعًا بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّهَا ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْرَأْ بِالْإِذْنِ مِنْ مَهْرِهَا . فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا وَجَبَ بِهَذَا التَّعْلِيلِ مَهْرُ الزَّانِيَةِ عَلَى الزَّانِي ؟ . قِيلَ: لِأَنَّ الزِّنَا مُغَلَّظٌ بِالْحَدِّ ؛ لِيَكُونَ زَاجِرًا عَنْهُ فَغُلِّظَ بِسُقُوطِ الْمَهْرِ ، وَلَوْ وَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ بِالزِّنَا لَدَعَاهَا ذَلِكَ لِفِعْلِ الزِّنَا ، فَحُسِمَتْ هَذِهِ الذَّرِيعَةُ بِسُقُوطِ الْمَهْرِ ، كَمَا حُسِمَتْ بِوُجُوبِ الْحَدِّ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى طَلَّقَهَا ، فَلَهَا الْمُتْعَةُ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: بَدَلًا مِنَ الْعُقْدَةِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: الْمُفَوَّضَةُ لِبُضْعِهَا إِذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ، لِسُقُوطِهِ بِالْعَقْدِ وَهُوَ اتِّفَاقٌ ، وَلَهَا الْمُتْعَةُ عِنْدَنَا . وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ . وَقَالَ مَالِكٌ: لَا مُتْعَةَ لَهَا ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَكَمُ ؛ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [ الْبَقَرَةِ: 241 ] . فَلَمَّا جَعَلَهُ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى الْمُتَّقِينَ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: عَلَى الْمُحْسِنِينَ [ الْبَقَرَةِ: 236 ] . دَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ دُونَ وُجُوبِهِ . وَلِأَنَّ مَا وَقَعَتْ بِهِ الْفُرْقَةُ لَمْ يَجِبْ بِهِ الْمُتْعَةُ كَالْمَوْتِ ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ مُؤَثِّرٌ فِي سُقُوطِ الْمَالِ دُونَ إِلْزَامِهِ ، كَالْمُسَمَّى لَهَا إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا . وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [ الْبَقَرَةِ: 236 ] . إِحْدَاهُنَّ: قَوْلُهُ:"وَمَتِّعُوهُنَّ"وَهَذَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ . وَالثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ وَذَلِكَ فِي الْوَاجِبَاتِ دُونَ التَّطَوُّعِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت