أَحَدُهَا: أَنْ يَتَرَافَعَا إِلَى الْحَاكِمِ ، فَيَفْرِضُ لَهَا الْحَاكِمُ مَهْرَ الْمِثْلِ ، فَلَا يَصِحُّ حُكْمُهُ بِهِ إِلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِقَدْرِهِ ، كَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَحْكُمَ بِقِيمَةِ مُتْلَفٍ إِلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ فَيَظْلِمَ الزَّوْجَ ، إِلَّا أَنْ يَبْذُلَ الزَّوْجُ الزِّيَادَةَ ، وَلَا أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَيَظْلِمَ الزَّوْجَةَ ، إِلَّا أَنْ تَرْضَى الزَّوْجَةُ بِالنُّقْصَانِ . وَهَلْ يُعْتَبَرُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَقْتَ الْعَقْدِ ، أَوْ وَقْتَ الْفَرْضِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ -: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَهْرُ مِثْلِهَا وَقْتَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ مُسْتَهْلَكٌ بِالْعَقْدِ . وَالثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ -: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَهْرُ مِثْلِهَا وَقْتَ الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْهُ بِالْفَرْضِ دُونَ الْعَقْدِ . فَإِذَا فَرَضَهُ الْحَاكِمُ ، صَارَ كَالْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ ، إِنْ طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ لَهَا نِصْفُهُ ، وَهَذَا مِمَّا وَافَقَ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا نُفِّذَ بِجَائِزٍ لَمْ يُنْقَضْ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الثَّانِي: يَجِبُ بِهِ مَهْرُ الْمُفَوَّضَةِ ، فَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ الزَّوْجَانِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى فَرْضِ مَهْرٍ عَنْ تَرَاضٍ ما يجب به مهر المفوضة ، فَيَصِيرُ مَا فَرَضَاهُ لَازِمًا كَالْمُسَمَّى ، إِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ لَهَا نِصْفُهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُ الْمَهْرُ إِلَّا بِعَقْدٍ أَوْ حُكْمٍ ، وَلَا يَصِيرُ لَازِمًا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى فَرْضِهِ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا الْمُتْعَةُ ؛ احْتِجَاجًا بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [ الْبَقَرَةِ: 231 ] . وَلِأَنَّهُمَا مَلَكَا التَّسْمِيَةَ فَيَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ وَاجِبَةً بِوُجُوبِ الْعَقْدِ ، وَلَمْ يَمْلِكَاهَا بَعْدَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ لَهَا مُوجِبًا إِلَّا الْحَاكِمُ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [ الْبَقَرَةِ: 237 ] ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا فَرَضَ لَهَا فِي الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ بِمَا بَعْدَ الْعَقْدِ أَشْبَهَ ، وَلِأَنَّ الْمَهْرَ مِنْ أَعْوَاضِ الْعُقُودِ ، فَكَانَ ثُبُوتُهُ بِالْمُرَاضَاةِ أَوْلَى مِنْ ثُبُوتِهِ بِالْحُكْمِ ، كَالْأَثْمَانِ وَالْأُجُورِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَهْرٍ كَمَلَ بِالدُّخُولِ يُنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ . فَأَمَّا الْآيَةُ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا مَهْرٌ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ [ الْبَقَرَةِ: 236 ] . وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِالْحُكْمِ فَاجْتِمَاعُهُمَا عَلَى الْفَرْضِ أَبْلَغُ فِي الِالْتِزَامِ مِنَ الْحُكْمِ ، كَمَا لَوِ اجْتَمَعَا عَلَى قِيمَةِ مُتْلَفٍ أَوْ أَرْشِ مَعِيبٍ .