فهرس الكتاب

الصفحة 4520 من 8432

فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ ، فَهَذَا الْبَابُ مَقْصُورٌ عَلَى نُشُوزِ الزَّوْجَةِ ، وَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَخَافَ نُشُوزَهَا بِأَمَارَاتٍ دَالَّةٍ عَلَيْهِ ، مِنْ غَيْرِ إِظْهَارٍ لَهُ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَادَتُهَا أَنْ تُلَبِّيَ دَعْوَتَهُ وَتُسْرِعَ إِجَابَتَهُ وَتُظْهِرَ كَرَامَتَهُ ، فَتَعْدِلُ عَنْ ذَلِكَ ؛ فَلَا تُلَبِّي لَهُ دَعْوَةً ، وَلَا تُسْرِعُ لَهُ إِجَابَةً ، وَلَا تُظْهِرُ لَهُ كَرَامَةً ، وَلَا تَلْقَاهُ إِلَّا مُعَبِّسَةً ، وَلَا تُجِيبُهُ إِلَّا مُتَبَرِّمَةً ، لَكِنَّهَا مُطِيعَةٌ لَهُ فِي الْفِرَاشِ ، فَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ النُّشُوزِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نُشُوزًا . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَظْهَرَ مِنْهَا ابْتِدَاءُ النُّشُوزِ الصَّرِيحِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ عَلَيْهِ ، وَلَا مُدَاوَمَةٍ لَهُ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تُصِرَّ عَلَى النُّشُوزِ الصَّرِيحِ وَتُدَاوِمُهُ . وَإِذَا كَانَ لَهَا فِي النُّشُوزِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عُقُوبَتَهَا عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ: وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْعُقُوبَاتِ الثَّلَاثِ ، هَلْ تُرَتَّبُ عَلَى الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ -: أَنَّ الْعُقُوبَاتِ مُتَرَتِّبَاتٌ عَلَى أَحْوَالِهَا الثَّلَاثِ ، وَيَكُونُ التَّرْتِيبُ مُضَمَّنًا فِي الْآيَةِ وَيَكُونُ مَعْنَاهَا: إِنْ خَافَ نُشُوزَهَا وَعَظَهَا ، فَإِنْ أَبْدَتِ النُّشُوزَ هَجَرَهَا ، فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَى النُّشُوزِ ضَرَبَهَا ، وَيَكُونُ هَذَا الْإِضْمَارُ فِي تَرْتِيبِهَا كَالْمُضْمَرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ [ الْمَائِدَةِ: 33 ] وَإِنَّ مَعْنَاهَا الْمُضْمَرَ فِيهَا: أَنْ يُقَتَّلُوا إِنْ قَتَلُوا ، أَوْ يُصَلَّبُوا إِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ ، أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ إِنْ أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا ، كَذَلِكَ آيَةُ النُّشُوزِ ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي ذُنُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَلَا تَكُونُ كَبَائِرُ الْعُقُوبَاتِ لِصَغَائِرِ الذُّنُوبِ ، وَلَا صَغَائِرُ الْعُقُوبَاتِ لِكَبَائِرِ الذُّنُوبِ ، فَأَوْجَبَ اخْتِلَافُ الْعُقُوبَاتِ أَنْ تَكُونَ عَلَى اخْتِلَافِ الذُّنُوبِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي - قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ ، وَذَكَرَ احْتِمَالَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ -: أَنَّ الْعُقُوبَاتِ الثَّلَاثَ مُسْتَحَقَّةٌ فِي حَالَيْنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي كَيْفِيَّتِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ -: أَنَّهُ إِذَا خَافَ نُشُوزَهَا وَعَظَهَا وَهَجَرَهَا ، فَإِذَا أَبْدَتِ النُّشُوزَ ضَرَبَهَا ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَامَتْ عَلَيْهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ -: أَنَّهُ إِذَا خَافَ نُشُوزَهَا وَعَظَهَا ، فَإِذَا أَبْدَتِ النُّشُوزَ هَجَرَهَا وَضَرَبَهَا ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَامَتْ عَلَيْهِ ، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْعُقُوبَةَ هِيَ الضَّرْبُ وَمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْعِظَةِ وَالْهَجْرِ إِنْذَارٌ وَالْعُقُوبَةُ تَكُونُ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الذُّنُوبِ لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت