فهرس الكتاب

الصفحة 4521 من 8432

بِمُدَاوَمَتِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ سَائِرَ الْحُدُودِ تَجِبُ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الذُّنُوبِ لَا بِمُدَاوَمَتِهَا ، فَكَذَلِكَ ضَرْبُ النُّشُوزِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى إِبْدَائِهِ دُونَ مُلَازَمَتِهِ ، فَصَارَ تَحْرِيرُ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ أَنَّ لَهُ عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ أَنْ يَعِظَهَا ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَهْجُرَهَا أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، وَلَهُ عِنْدَ إِبْدَاءِ النُّشُوزِ أَنْ يَعِظَهَا وَيَهْجُرَهَا ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَلَهُ عِنْدَ مُقَامِهَا عَلَى النُّشُوزِ أَنْ يَعِظَهَا وَيَهْجُرَهَا وَيَضْرِبَهَا .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى صِفَةِ الْعِظَةِ وَالْهَجْرِ وَالضَّرْبِ الشقاق بين الزوجين . أَمَّا الْعِظَةُ: فَهُوَ أَنْ يُخَوِّفَهَا بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِنَفْسِهِ ، فَتَخْوِيفُهَا بِاللَّهِ أَنْ يَقُولَ لَهَا: اتَّقِ اللَّهَ وَخَافِيهِ ، وَاخْشَيْ سُخْطَهُ وَاحْذَرِي عِقَابَهُ ؛ فَإِنَّ التَّخْوِيفَ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَبْلَغِ الزَّوَاجِرِ فِي ذَوِي الدِّينِ ، وَتَخْوِيفُهَا مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَقُولَ لَهَا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ لِي عَلَيْكِ حَقًّا إِنْ مَنَعْتِيهِ أَبَاحَنِي ضَرْبَكِ ، وَأَسْقَطَ عَنِّي حَقَّكِ ، فَلَا تَضُرِّي نَفْسَكِ بِمَا أُقَابِلُكِ عَلَى نُشُوزِكِ ، إِنْ نَشَزْتِ بِالضَّرْبِ الْمُؤْلِمِ وَقَطْعِ النَّفَقَةِ الدَّارَّةِ ؛ فَإِنَّ تَعْجِيلَ الْوَعِيدِ أَزْجَرُ لِمَنْ قَلَّتْ مُرَاقَبَتُهُ . وَهَذِهِ الْعِظَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى خَوْفِ نُشُوزٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ ، فَلَيْسَ يُضَارُّهُ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْأَمَارَاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْهَا لِنُشُوزٍ تُبْدِيهِ كَفَّهَا عَنْهُ وَمَنَعَهَا مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ مِنْ هَمٍّ طَرَأَ عَلَيْهَا ، أَوْ لِفَتْرَةٍ حَدَثَتْ مِنْهَا ، أَوْ لِسَهْوٍ لَحِقَهَا ، لَمْ يَضُرَّهَا أَنْ تَعْلَمَ مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي النُّشُوزِ ، وَأَمَّا الْهَجْرُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي الْفِعْلِ . وَالثَّانِي: فِي الْكَلَامِ . فَأَمَّا الْهَجْرُ فِي الْفِعْلِ ، فَهُوَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ ، وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا ، وَأَلَّا يُضَاجِعَهَا فِي فِرَاشٍ أَوْ يُوَلِّيَهَا ظَهْرَهُ فِيهِ ، أَوْ يَعْتَزِلَهَا فِي بَيْتِ غَيْرِهِ . أَمَّا هَجْرُ الْكَلَامِ ، فَهُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ كَلَامِهَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا ، فَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْآيَةَ ، وَإِنْ لَمْ تَضْمَنْهُ فَهِيَ مِنْ إِحْدَى الزَّوَاجِرِ إِلَّا أَنَّ هَجْرَ الْفِعْلِ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَدِيمَهُ الزَّوْجُ بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ صَلَاحًا . فَأَمَّا هَجْرُ الْكَلَامِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَدِيمَهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، وَالسَّابِقُ أَسْبَقُهُمَا إِلَى الْجَنَّةِ . وَأَمَّا الضَّرْبُ فَهُوَ ضَرْبُ التَّأْدِيبِ وَالِاسْتِصْلَاحِ ، وَهُوَ كَضَرْبِ التَّعْزِيرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ ، وَيَتَوَقَّى بِالضَّرْبِ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ: أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يُزْمِنَ أَوْ يُدْمِيَ أَوْ يَشِينَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا يَضْرِبْهَا ضَرْبًا مُبَرِّحًا وَلَا مُدْمِيًا وَلَا مُزْمِنًا ، وَيَقِي الْوَجْهَ ، فَالْمُبَرِّحُ الْقَاتِلُ ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت