فَقَالَ لَهَا: إِذَا دَخَلْتِ النَّارَ فَعَلَى يَسَارِكِ ، فَجَمَعَتْ رَحْلَهَا وَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ ، فَقَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [ النِّسَاءِ: 35 ] ، فَاخْتَارَ مِنْ أَهْلِ عَقِيلٍ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَمِنْ أَهْلِ فَاطِمَةَ: مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَقَالَ: عَلَيْكُمَا أَنْ تَجْمَعَا إِنْ رَأَيْتُمَا ، أَوْ تُفَرِّقَا إِنْ رَأَيْتُمَا . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ لَأَحْرِصَنَّ عَلَى الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا . فَفَالَ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ لَا فَرَّقْتُ بَيْنَ شَيْخَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ فَمَضَيَا إِلَيْهِمَا وَقَدِ اصْطَلَحَا . فَدَلَّ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمَا عَلَى أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يَمْلِكَانِ الْفُرْقَةَ إِنْ رَأَيَاهَا ، وَذَلِكَ بِمَشْهَدٍ مِنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَدْ حَضَرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ حَضَرَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ ؛ وَلِأَنَّ لِلْحَاكِمِ مَدْخَلًا فِي إِيقَاعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِالْعُيُوبِ وَالْعُنَّةِ وَفِي الْإِيلَاءِ ، فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَ بِهَا تَفْوِيضَ ذَلِكَ إِلَى الْحَكَمَيْنِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنَ الْحَكَمَيْنِ إِيقَاعُ الْفُرْقَةِ وَالْخُلْعِ إِلَّا بِتَوْكِيلِ الزَّوْجَيْنِ ، وَلَا يَمْلِكُ الْحَاكِمُ الْإِذْنَ لَهُمَا فِيهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ"الْأُمِّ"وَ"الْإِمْلَاءِ"وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [ النِّسَاءِ: 35 ] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَرْدُودَ إِلَى الْحَكَمَيْنِ الْإِصْلَاحُ دُونَ الْفُرْقَةِ . وَلِمَا رَوَى ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيَامٌ مِنَ النَّاسِ يَعْنِي جَمْعًا ، فَتَلَى الْآيَةَ ، وَبَعَثَ إِلَى الْحَكَمَيْنِ ، وَقَالَ: رُوَيْدَكُمَا حَتَّى أُعْلِمَكُمَا مَاذَا عَلَيْكُمَا ، إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا ، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَقَالَ: قَدْ رَضِيتِ بِمَا حَكَمَا ؟ قَالَتْ: نَعَمْ رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ عَلَيَّ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرَّجُلِ فَقَالَ: قَدْ رَضِيتَ بِمَا حَكَمَا ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ أَرْضَى أَنْ تَجْمَعَا وَلَا أَرْضَى أَنْ تُفَرِّقَا ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ حَتَّى تَرْضَى بِمِثْلِ الَّذِي رَضِيَتْ . فَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الْحَكَمَانِ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَوْكِيلِ الزَّوْجَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِرُجُوعِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى رِضَا الزَّوْجِ وَجْهٌ ، وَلَكَانَ بِإِذْنِ الْحَكَمَيْنِ فِيهِ ، وَإِنِ امْتَنَعَ فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَذَبْتَ وَاللَّهِ حَتَّى تَرْضَى بِمِثْلِ الَّذِي رَضِيتَ ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ امْتِنَاعُهُ مِنَ الرِّضَا كَذِبًا ؟ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَقَدَّمَ مِنْهُ الرِّضَا ثُمَّ أَنْكَرَهُ ، فَصَارَ كَذِبًا وَزَالَ بِالْإِنْكَارِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّوْكِيلِ .