وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ كَذَبْتَ بِمَعْنَى أَخْطَأَتْ ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الْخَطَأِ بِالْكَذِبِ ؛ لِأَنَّهُ بِخِلَافِ الْحَقِّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ غَلَسَ الظَّلَامِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالَا يَعْنِي أَخْطَأَتْكَ عَيْنُكَ ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلِ الطَّلَاقَ إِلَّا إِلَى الْأَزْوَاجِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَهُ غَيْرُهُمْ ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَمْلِكُ إِيقَاعَ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِلَّا عَنْ رِضَاهُمَا ، فَلِئَلَّا يَمْلِكَهُ الْحَكَمَانِ مِنْ قِبَلِهِ أَوْلَى .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ كَانَ الْحَكَمَانِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ حَاكِمَيْنِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَكِيلَيْنِ ، وَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ شُرُوطٍ فِي صِحَّةِ تَحْكِيمِهِمَا الحكمان في شقاق الزوجين ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ . قِسْمٌ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِيهِمَا . وَقِسْمٌ يُسْتَحَبُّ اعْتِبَارُهُ فِيهِمَا . وَقِسْمٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَوْلِ فِيهِمَا . فَأَمَّا مَا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِيهِمَا مِنَ الشُّرُوطِ فَثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ ، فَإِنْ كَانَا أَوْ أَحَدُهُمَا امْرَأَةً ، لَمْ يَجُزْ . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَا حُرَّيْنِ ، فَإِنْ كَانَا أَوْ أَحَدُهُمَا عَبْدًا ، لَمْ يَجُزْ . وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ ، فَإِنْ كَانَا أَوْ أَحَدُهُمَا غَيْرَ عَدْلٍ ، لَمْ يَجُزْ . وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا هَذِهِ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا ؛ لِأَنَّهُمَا إِنْ كَانَا حَاكِمَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي الْحَاكِمِ ، وَإِنْ كَانَا وَكِيلَيْنِ فَقَدِ اقْتَرَنَ بِوَكَالَتِهِمَا وِلَايَةُ اخْتِيَارِ الْحَاكِمِ لَهُمَا ، وَلَا يَصِحُّ فِيمَنْ رُدَّ الْحُكْمُ إِلَيْهِ نَظَرٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ النَّظَرَ فِي مَالِ يَتِيمٍ إِلَى عَبْدٍ أَوْ فَاسْقٍ لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا . وَأَمَّا مَا يُسْتَحَبُّ اعْتِبَارُهُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَكَمَانِ مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَيْنِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ، وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ أَخَصُّ بِطَلَبِ الْحَظِّ مِنَ الْأَجَانِبِ ؛