قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، لِأَنَّهُ قَدْ أَوْقَعَ وَاحِدَةً ، وَأَرَادَ رَفْعَهَا فَالطَّلَاقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَرْتَفِعُ ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ ، أَنْتَ حُرٌّ حُرِّيَّةً لَا تَقَعُ عَلَيْكَ ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ بَعْدَ الْعِتْقِ لَا تَرْتَفِعُ ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا طُلِّقْتِ ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ قَوْلُهُ"لَا"بَعْدَ تَقْدِيمِ الطَّلَاقِ ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ لَا طَالِقٌ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ ، لِأَنَّهُ قَدَّمَ حَرْفَ النَّفْيِ . وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ لَا يَقَعَانِ عَلَيْكِ طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا يَقَعْنَ عَلَيْكِ ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثَانِيَةٌ لَا تَقَعُ عَلَيْكِ أَوْ قَالَ: ثَانِيَةٌ لَا . طُلِّقَتْ وَاحِدَةً ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ كَلَامِهِ فَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلَا تَقَعُ عَلَيْكِ ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَثَالِثَةٌ لَا تَقَعُ عَلَيْكِ ، أَوْ قَالَ: وَثَالِثَةٌ لَا طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ لَا تَقَعُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا عَلَيْكِ طُلِّقَتْ وَاحِدَةً وَصَارَ اسْتِثْنَاءً كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ لَا وَاحِدَةً .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ قَالَ وَاحِدَةٌ قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ كَانَتْ تَطْلِيقَتَيْنِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَصْحَابُنَا ، أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ أَنَّهَا طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَاحِدَةِ الَّتِي جَعَلَهَا قَبْلَ الَّتِي أَوْقَعَهَا ، هَلْ تَقَعُ قَبْلَهَا عَلَى مُوجَبِ لَفْظِهِ أَوْ تَقَعُ مَعَهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا تَقَعُ مَعَ الَّتِي أَوْقَعَهَا وَلَا تَقَعُ قَبْلَهَا ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ سَابِقًا لِلَفْظِ الطَّلَاقِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهَا تَقَعُ قَبْلَ الَّتِي أَوْقَعَهَا ، اعْتِبَارًا بِمُوجَبِ لَفْظِهِ ، وَيَكُونُ وُقُوعُهَا بَعْدَ لَفْظِهِ ، وَقَبْلَ الَّتِي أَوْقَعَهَا بِلَفْظِهِ ، فَيَجْعَلُ نَاجِزَ الطَّلَاقِ مُؤَخَّرًا لِيَتَقَدَّمَهُ طَلَاقُ الصِّفَةِ حَتَّى لَا يَكُونَ وُقُوعُهُ سَابِقًا لِلَفْظِهِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ، لِأَنَّ نَاجِزَ الطَّلَاقِ يَقَعُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ وَلَا يَتَعَقَّبُهُ ، أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَمَاتَ مَعَ آخِرِ كَلَامِهِ مِنْ غَيْرِ"
فَصْلٌ: طُلِّقَتْ وَلَوْ كَانَ يَقَعُ بَعْدَهُ لَمْ تُطَلَّقْ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ تَقَعُ الطَّلْقَتَانِ عَلَيْهَا بَعْدَ لَفْظِهِ بِزَمَانَيْنِ ، لِتَقَعَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّلْقَتَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّمَانَيْنِ . وَعَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، تَقَعُ الطَّلْقَتَانِ بِنَفْسِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ زَمَانٍ يُعْتَبَرُ بَعْدَهُ . فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ فِي نِكَاحٍ كَانَ تَقَدَّمَهُ ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِ لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا وَاحِدَةً ، وَإِنْ أَكْذَبَتْهُ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى النِّكَاحِ الْمُتَقَدِّمِ ، كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا تُطَلَّقُ إِلَّا وَاحِدَةً ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا مَعَ يَمِينِهَا ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا وَلَزِمَهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ طَلْقَتَانِ ، وَكَانَ مَدِينًا فِي الْبَاطِنِ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا وَاحِدَةٌ .