فهرس الكتاب

الصفحة 4790 من 8432

الْوَجْهَيْنِ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتِ ، فَقَالَتْ: قَدْ شِئْتُ لَمْ تُطَلَّقْ: لِأَنَّهُ قَيَّدَ وُقُوعَ طَلَاقِهَا بِشَرْطَيْنِ هُمَا مَشِيئَةُ اللَّهِ وَمَشِيئَتُهَا ، وَمَشِيئَةُ اللَّهِ لَا تُعْلَمُ وَإِنْ عُلِمَتْ مَشِيئَتُهَا ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ . فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ ، وَكَانَ زَيْدٌ مَجْنُونًا فَقَالَ: قَدْ شِئْتُ لَمْ تُطَلَّقْ: لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا مَشِيئَةَ لَهُ ، وَلَوْ كَانَ سَكْرَانَ فَشَاءَ طُلِّقَتْ: لِثُبُوتِ الْأَحْكَامِ بِأَقْوَالِهِ ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ: أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ لِأَنَّ سُكْرَهُ يُوجِبُ تَغْلِيظَ الْحُكْمِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَا يُوجِبُ تَغْلِيظَهُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ وَكَانَ أَخْرَسَ فَشَاءَ بِالْإِشَارَةِ طُلِّقَتْ ، وَلَوْ كَانَ نَاطِقًا فَخُرِسَ فَشَاءَ بِالْإِشَارَةِ ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ لَمْ تُطَلَّقْ: لِأَنَّ مَشِيئَتَهُ وَقْتَ الطَّلَاقِ كَانَتْ نُطْقًا فَلَمْ تَثْبُتْ بِالْإِشَارَةِ وَهَذَا عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ: لِأَنَّ إِشَارَةَ الْأَخْرَسِ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ مَعَ الْعَجْزِ وَقْتَ الْبَيَانِ وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا تَقَدَّمَ الْأَمْرَ ، أَنْ لَوْ كَانَ أَخْرَسَ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ نَاطِقًا فِي وَقْتِ الْبَيَانِ ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إِلَّا بِالنُّطْقِ دُونَ الْإِشَارَةِ وَإِنْ صَحَّتْ مِنْهُ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ بِالْإِشَارَةِ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ نَاطِقًا فَخَرِسَ ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ الْحِمَارُ ، فَهَذَا مِنَ الشُّرُوطِ الْمُسْتَحِيلَةِ لِأَنَّهُ لَا مَشِيئَةَ لِلْحِمَارِ ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ صَعِدْتِ السَّمَاءَ ، فَيَكُونُ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ .

فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ حَفْصَةَ وَعَمْرَةَ: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إِلَيْهِمَا ، فَلَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا إِلَّا أَنْ يَعْزِلَهَا فِي اسْتِثْنَائِهِ ، وَلَوْ قَالَ: حَفْصَةُ طَالِقٌ وَعَمْرَةُ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنْ أَرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ عَمْرَةَ الْأَخِيرَةَ ، طُلِّقَتْ حَفْصَةُ وَلَمْ تُطَلَّقْ عَمْرَةُ ، وَإِنْ أَرَادَهُمَا مَعًا لَمْ تُطَلَّقَا جَمِيعًا ، وَإِنْ أَطْلَقَ الِاسْتِثْنَاءَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا ، كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إِلَيْهِمَا فَلَمْ تُطَلَّقَا: لِرُجُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْعَطْفِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَى جَمِيعِ الْمَذْكُورِ ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ يَرُدُّهُمْ إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِ فَتُطَلَّقُ حَفْصَةُ عِنْدَهُ لِخُرُوجِهَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَلَا تُطَلَّقُ عَمْرَةُ لِدُخُولِهَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ ، فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِالِاسْتِثْنَاءِ حَفْصَةَ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ حُمِلَ عَلَى إِرَادَتِهِ ، وَطُلِّقَتْ عَمْرَةُ الْأَخِيرَةُ دُونَ حَفْصَةَ الْأُولَى ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُطَلَّقَانِ مَعًا . وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، رَجَعَ الِاسْتِثْنَاءُ إِذَا أَطْلَقَهُ إِلَى الطَّلَاقَيْنِ فَلَمْ يَقَعَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَرْجِعُ إِلَى الثَّانِي وَيَقَعُ الْأَوَّلُ .

فَصْلٌ: وَإِذَا وَصَلَ طَلَاقَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مُرِيدٍ بِأَوَّلِ كَلَامِ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ: لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَّصِلَ يُعْتَبَرُ حُكْمُ أَوَّلِهُ بِآخِرِهِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا حُكْمَ لِلِاسْتِثْنَاءِ حَتَّى يَنْوِيَهُ عِنْدَ تَلَفُّظِهِ بِالطَّلَاقِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَوَّلِ كَلَامِهِ بَطَلَ وَهَذَا فَاسِدٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت