فهرس الكتاب

الصفحة 5149 من 8432

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ ، فَقَالَتْ: زَنَيْتُ بِكَ ، وَطَلَبَا جَمِيعًا مَا لَهُمَا سَأَلْنَا ، فَإِنْ قَالَتْ: عَنَيْتُ أَنَّهُ أَصَابَنِي وَهُوَ زَوْجِي أُحُلِفَتْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَيَلْتَعِنُ أَوْ يُحَدُّ ، وَإِنْ قَالَتْ: زَنَيْتُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَنِي فَهِيَ قَاذِفَةٌ لَهُ وَعَلَيْهَا الْحَدُّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا مُقِرَّةٌ لَهُ بِالزِّنَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا قَوْلُهُ لَهَا مُبْتَدِئًا: يَا زَانِيَةُ ، فَهُوَ قَذْفٌ لَهَا صَرِيحٌ لَا يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى إِرَادَتِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهَا لَهُ فِي جَوَابِ قَذْفِهَا لَهُ: زَنَيْتُ بِكَ ، فَهُوَ مُحْتَمِلٌ إِذَا كَانَ جَوَابًا ، فَلَمْ يَكُنْ قَذْفًا صَرِيحًا إِلَّا أَنْ تُرِيدَ بِهِ الْقَذْفَ ، وَالَّذِي يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْجَوَابُ أَحَدُ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ ذَكَرَ مِنْهَا الشَّافِعِيُّ اثْنَيْنِ ، وَأَغْفَلَ الثَّالِثَ: أَحَدُهَا: أَنْ تُرِيدَ إِقْرَارَهَا بِالزِّنَا وَقَذْفَهَا لَهُ . وَالثَّانِي: أَنْ تُرِيدَ إِقْرَارَهَا بِالزِّنَا وَلَا تُرِيدَ قَذْفَهُ بِهِ . وَالثَّالِثُ: أَنْ تُرِيدَ قَذْفَهُ بِالزِّنَا وَلَا تُرِيدَ إِقْرَارَهَا بِهِ . وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا تُرِيدَ قَذْفَهُ وَلَا إِقْرَارَهَا بِهِ . فَأَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ تُرِيدَ إِقْرَارَهَا بِالزِّنَا وَقَذْفَهُ بِهِ ، فَهُوَ أَنْ تَقُولَ: أَرَدْتُ بِهِ أَنَّهُ زَنَى بِي قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي ، فَكُنْتُ زَانِيَةً بِهِ وَكَانَ زَانِيًا بِي ، فَهَذَا الْبَيَانُ هُوَ أَغْلَظُ أَحْوَالِهِمَا فِي حَقِّهَا وَحَقِّ الزَّوْجِ ، فَعَلَيْهَا حَدَّانِ: أَحَدُهُمَا: حَدُّ الزِّنَا لِإِقْرَارِهَا بِهِ ، وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُرَاعَى فِيهِ الْمُطَالَبَةُ . وَالثَّانِي: حَدُّ الْقَذْفِ لِلزَّوْجِ ، لِأَنَّهَا قَاذِفَةٌ لَهُ . وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِطَلَبِهِ ، وَقَدْ سَقَطَ عَنِ الزَّوْجِ حَدُّ الْقَذْفِ بِتَصْدِيقِهَا لَهُ ، وَإِذَا وَجَبَ الْحَدَّانِ عَلَيْهَا لَمْ يَتَدَاخَلَا ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: الْمُوجِبُ وَالْحُكْمُ ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنَ اجْتِمَاعِهِمَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنْ لَا يُجْمَعَ فِي السَّرِقَةِ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْغُرْمِ ، وَنَحْنُ نُجْرِيهِ عَلَى أَصْلِنَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْغُرْمِ وَإِنْ كَانَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ نَصٌّ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَائِمًا يَخْطُبُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اقْعُدْ ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا فَعَلْتَ ؟ فَقَالَ: زَنَيْتُ بِبِنْتِ امْرَأَتِي ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ وَعَلِيًّا وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بِنْتِ امْرَأَتِهِ وَسَأَلَهَا فَقَالَتْ: مَا زَنَيْتُ ، فَأَمَرَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ ، فَجَمَعَ عَلَيْهِ الْحَدَّيْنِ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ تُرِيدَ إِقْرَارَهَا بِالزِّنَا وَلَا تُرِيدَ قَذْفَهُ بِالزِّنَا ، فَهُوَ أَنْ تَقُولَ: أَرَدْتُ أَنِّي زَنَيْتُ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَزَوَّجَنِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، إِمَّا بِأَنْ تَقُولَ: اسْتَدْخَلْتُ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ ، أَوْ نِمْتُ عَلَى فِرَاشِهِ فَوَطِئَنِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِي ، فَكُنْتُ زَانِيَةً بِهِ وَلَمْ يَكُنْ زَانِيًا بِي ، فَهَذَا الْبَيَانُ أَغْلَظُ الْأَحْوَالِ فِي حَقِّهَا وَأَخَفُّهَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ فَعَلَيْهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت