فهرس الكتاب

الصفحة 5155 من 8432

وَالشَّافِعِيُّ قَدْ حَذَفَهَا فِي تَرْخِيمِ زَانِيَةٍ مِنْ غَيْرِ صِلَةٍ . وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مِنَ ابْنِ دَاوُدَ فِي الْحُكْمِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَالتَّرْخِيمِ الْمُعَلَّلِ بِهِ مِنْ أَوْضَحِ خَطَأٍ وَأَقْبَحِ ذَلَلٍ ، أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى الْحُكْمِ فِي أَنْ يَكُونَ قَذْفًا إِذَا قَالَ لَهَا: يَا زَانِ مَعَ مَا عَلَّلَ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنَ التَّرْخِيمِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَذْفَ بِالزِّنَى هُوَ دُخُولُ الْمَعَرَّةِ بِالْفَاحِشَةِ ، وَقَدْ أَدْخَلَ الْمَعَرَّةَ عَلَيْهَا بِالزِّنَى فِي قَوْلِهِ لَهَا: يَا زَانِ كَمَا أَدْخَلَهَا فِي قَوْلِهِ: يَا زَانِيَةُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي حُكْمِ الْقَذْفِ كَمَا اسْتَوَى فِيهِ حُكْمُ اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَالْأَعْجَمِيِّ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَا فُهِمَ مِنْهُ مَعْنَى الْقَذْفِ كَانَ قَذْفًا صَوَابًا كَانَ أَوْ خَطَأً ، كَمَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: زَنَيْتِ بِكَسْرِ التَّاءِ ، وَلِامْرَأَةٍ: زَنَيْتَ بِفَتْحِ التَّاءِ ، كَانَ قَذْفًا وَإِنْ لَحَنَ فِيهِ ، لِأَنَّ الْقَذْفَ مَفْهُومٌ مِنْهُ ، كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ لَهَا: يَا زَانِ ، وَإِنْ كَانَ لَحْنًا عِنْدَهُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَاءَ التَّأْنِيثِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي تَوْجِيهِ الْخِطَابِ إِلَى مُؤَنَّثٍ لِيَزُولَ بِهَا الْإِشْكَالُ ، وَالْإِشَارَةُ بِالنِّدَاءِ أَبْلَغُ مِنْهَا فِي إِرَادَةِ الْمُخَاطَبِ ، فَإِذَا أَشَارَ إِلَيْهَا فِي النِّدَاءِ بِقَوْلِهِ: يَا زَانٍ أَغْنَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا عَنِ الْهَاءِ الْمَوْضُوعَةِ لِتَوْجِيهِ الْخِطَابِ إِلَيْهَا فَلَمْ يُؤَثِّرْ حَذْفُهَا مَعَ وُجُودِ الْإِشَارَةِ وَإِنْ أَثَّرَ حَذْفُهَا مَعَ عَدَمِ الْإِشَارَةِ . وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ . وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالتَّرْخِيمِ ، فَإِنَّ التَّرْخِيمَ مُسْتَعْمَلٌ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ مَعًا ، قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [ الزُّخْرُفَ: ] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَفَى بِالسَّيْفِ شَا ، يَعْنِي شَاهِدًا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي حَدِّ التَّرْخِيمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَدْخُلُ فِي الِاسْمِ الْمُفْرَدِ إِذَا زَادَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ . وَقَالَ ثَعْلَبٌ: يَدْخُلُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ إِذَا كَانَ الْبَاقِي مَفْهُومَ الْمُرَادِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ كُلِّهَا إِذَا لَمْ يُعْلَمْ بَاقِيهَا ، مِثْلُ: طَالُوتَ وَجَالُوتَ ، وَلَا يُمْنَعُ فِي أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ كُلِّهَا إِذَا فُهِمَ بَاقِيهَا مِثْلُ: مَالِكٍ ، مُشْتَقٍّ مَنْ مَلَكَ ، وَحَارِثٍ مِنْ حَرَثَ ، وَصَاحِبٍ مِنْ صَحِبَ . فَبَطَلَ بِذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ دَاوُدَ مِنَ اخْتِصَاصِهِ بِالْأَسْمَاءِ دُونَ الْأَفْعَالِ ، وَلَيْسَ لَهَا لَمَّا اسْتُشْهِدَ بِهِ مِنَ امْتِنَاعِهِ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ تَأْثِيرٌ ، لِأَنَّ بَاقِيَهَا غَيْرُ مَفْهُومٍ . أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ لَا يُحْذَفُ بِالتَّرْخِيمِ إِلَّا حَرْفٌ وَاحِدٌ فَهُوَ جَهْلٌ مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُحْذَفُ بِالتَّرْخِيمِ حَرْفَانِ وَأَكْثَرُ مَا بَعْدَ الْحَرْفِ الثَّالِثِ مِنَ الِاسْمِ مِعْتَلًّا . وَالْحُرُوفُ الْمُعْتَلَّةُ: الْأَلِفُ وَالْيَاءُ وَالْوَاوُ ، فَيَقُولُ فِي عُثْمَانَ: يَا عُثْمَ ، وَفِي مَنْصُورٍ: يَا مَنْصُ ، وَفِي مَرْوَانَ: يَا مَرْوَ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَفَى بِالسَّيْفِ شَا ، يَعْنِي شَاهِدًا ، فَحَذَفَ ثَلَاثَةَ أَحْرُفٍ ، وَنَادَى أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ:"يَا أَبَا هِرٍّ ، فَحَذَفَ مِنْ كُنْيَتِهِ ثَلَاثَةَ أَحْرُفٍ ، أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت