فهرس الكتاب

الصفحة 5549 من 8432

أَخَصُّ بِآلَةِ التَّرْبِيَةِ مِنَ الرِّجَالِ فَصَارَتِ الْأُمُّ لِذَلِكَ أَحَقَّ لِحَضَانَتِهِ مِنَ الْأَبِ مَعَ تَكَافُئِهِمَا فِي الْأَمَانَةِ وَالسَّلَامَةِ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: فَهِيَ الْكَفَالَةُ للطفل الرضيع فَهِيَ حِفْظُهُ وَمَعُونَتُهُ عِنْدَ تَمْيِيزِهِ وَقَبْلَ كَمَالِ قُوَّتِهِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانِي سِنِينَ إِلَى أَنْ يَتَكَامَلَ تَمْيِيزُهُ ، وَقُوَّتُهُ فَالْبُلُوغُ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَيِّ أَبَوَيْهِ أَحَقُّ بِكَفَالَتِهِ بَعْدَ السَّبْعِ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَلَدَ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ مَعَ مَنِ اخْتَارَهُ مِنْهُمَا سَوَاءً كَانَ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً ، اخْتَارَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ . وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِالْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ . وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأُمَّ بِالْجَارِيَةِ وَالْأَبَ أَحَقُّ بِالْغُلَامِ ، وَإِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ وَلَبِسَ بِنَفْسِهِ ؛ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ لِلْوَلَدِ حَقَّيْنِ: حَقُّ نَظَرٍ عَلَى مَالِهِ ، وَحَقُّ تَدْبِيرٍ لِبَدَنِهِ ، فَلَمَّا لَمْ يَرْجِعْ إِلَى خِيَارِهِ عَلَى مَالِهِ ، فَأَوْلَى أَلَّا يَرْجِعَ إِلَى خِيَارِهِ فِي تَدْبِيرِ بَدَنِهِ ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ أَغْلَظَ مِنْ حُرْمَةِ الْمَالِ ؛ وَلِأَنَّ مَقَاصِدَ الصَّبِيِّ جَاذِبَةٌ إِلَى مَا يُوَافِقُ اللَّهْوَ وَاللَّعِبَ ، فَكَانَ تَخْيِيرُهُ دَاعِيًا إِلَى ضَرَرِهِ وَبَاعِثًا عَلَى فَسَادِهِ ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَ الصَّبِيِّ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْحُكْمُ ، فَلَمْ يَكُنْ لِتَخْيِيرِهِ حُكْمٌ . وَدَلِيلُنَا مَا تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ هَذَا وَلَدِي ، وَإِنَّ أَبَاهُ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ ، وَإِنَّهُ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ ، وَقَدْ نَفَعَنِي ، فَقَالَ الْأَبُ: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْغُلَامِ:"هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُدْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ". فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ . وَحَدِيثُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْوَلَدِ وَوَالِدَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّخْيِيرِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّخْيِيرِ عِنْدَ الْبُلُوغِ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ فَلَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي: حَدِيثُ عُمَارَةَ أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ خَيَّرَهُ بَيْنَ أُمِّهِ وَعَمِّهِ ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ ، وَقَالَ لِأَخٍ أَصْغَرَ مِنْهُ: وَهَذَا أَيْضًا لَوْ قَدْ بَلَغَ خَيَّرْتُهُ ، فَعُلِمَ أَنَّ بُلُوغَ هَذَا السِّنِّ حَدٌّ لِزَمَانِ التَّخْيِيرِ . فَإِنْ قِيلَ: فَحَمْلُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ يُرْضِي الْأَبَوَيْنِ لَمْ يَجُزْ مِنْ وَجْهَيْنِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت