أَحَدُهُمَا: تَنَازُعُ الْأَبَوَيْنِ فِيهِ وَتَرَافُعُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ مَعَ الرِّضَا تَنَازُعٌ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَبَ أَنْكَرَ عَلَى الْأُمِّ نِزَاعَهَا وَقَالَ: مَنْ يُحَاجُّنِي فِي وَلَدِي ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ حَدِّ التَّرَاخِي ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكَفَالَةِ هُوَ طَلَبُ الْحَظِّ لِلْوَلَدِ ، وَهُوَ مَعَ ظُهُورِ تَمْيِيزِهِ أَعْرَفُ بِحَظِّهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُرْجَعَ إِلَى خِيَارِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ مِنْ بِرِّهِمَا مَا يَدْعُوهُ إِلَى أَبَرِّهِمَا ؛ وَلِأَنَّ أَبَوَيْهِ قَدِ اسْتَوَيَا فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يُرْجَعَ إِلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا كَالْمُتَدَاعِيَيْنِ دَارًا إِذَا كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا وَجَبَ مَعَ تَسَاوِيهِمَا أَنْ يُرْجَعَ إِلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا ، وَلَيْسَ لِلتَّرْجِيحِ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ وَجْهٌ غَيْرَ تَخْيِيرِ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لَسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ". فَخَالَفَ فِي حُكْمِهِ مَا بَيْنَ قَبْلَ السَّبْعِ وَمَا بَعْدَهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي الْكَفَالَةِ بَعْدَ السَّبْعِ مُخَالِفًا لِحُكْمِهِ قَبْلَهَا وَلَا وَجْهَ لِلْمُخَالَفَةِ إِلَّا بِالتَّخْيِيرِ . وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ بِأَنَّ النِّسَاءَ أَعْرَفُ بِتَدْبِيرِ الْبَنَاتِ مِنَ الرِّجَالَ فَكَانَتِ الْأُمُّ أَحَقَّ بِالْبِنْتِ ، وَالرِّجَالَ أَقْوَمُ بِتَعْلِيمِ الْبَنِينَ وَتَخْرِيجِهِمْ فَكَانَ الْأَبُ أَحَقَّ بِالِابْنِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَلَى اعْتِبَارِهِمْ بِالنَّظَرِ فِي الْمَالِ فَهُوَ أَنَّهُ قَدْ عَرَفَ حَالَ نَفْسِهِ مَعَ أَبَوَيْهِ ، فَجَازَ أَنْ يُرْجَعَ إِلَى تَخْيِيرِهِ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ يَعْرِفْ حَالَ مَالِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ تَخْيِيرٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ بِأَنَّ تَخْيِيرَهُ يَقْضِي إِلَى فَسَادِهِ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ تَخْيِيرَهُ فِي الْأَبَوَيْنِ لَا يَمْنَعُ الْآخَرَ مِنْ تَأْدِيبِهِ وَتَقْوِيمِهِ وَتَعْلِيمِهِ . وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ ، فَهُوَ أَنْ لَا يُحْكَمَ لِقَوْلِهِ فِي الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ كَالْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ ، وَيُحْكَمَ بِقَوْلِهِ فِي الْمَصَالِحِ كَمَا يُحْكَمُ بِقَوْلِهِ فِي الْإِذْنِ وَقَبُولِ الْهَدِيَّةِ ، وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِقَوْمِهِ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ فَتَبِعَهُ الرِّجَالُ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ حُكْمٌ مَا جَازَ اتِّبَاعُهُ فَكَانَ تَخْيِيرُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَوْلَى . فَأَمَّا فَرْقُ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ ؛ فَلَئِنْ كَانَتِ الْأُمُّ أَعْرَفَ بِتَدْبِيرِ الْبَنَاتِ فَالْأَبُ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهِنَّ ؛ وَلَئِنْ كَانَ الْأَبُ أَعْرَفَ بِتَعْلِيمِ الْبَنِينَ فَلَيْسَ يَمْنَعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ إِذَا اخْتَارَ أُمَّهُ . فَصْلٌ: وَأَمَّا الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ حَالَةُ الْكِفَايَةِ ، فَهِيَ بَعْدَ بُلُوغِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ لِاكْتِفَائِهِمَا بِأَنْفُسِهِمَا عِنْدَ كَمَالِ التَّمْيِيزِ وَالْقُوَّةِ فَتَزُولُ الْكَفَالَةُ عَنْهُمَا بِالْبِلُوغِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَفْسِهِ وَيَعْتَزِلَ أَبَوَيْهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَأَكْرَهُ لِلْجَارِيَةِ أَنْ تَعْتَزِلَ أَبَوَيْهَا حَتَّى تَتَزَوَّجَ لِئَلَّا يَسْبِقَ إِلَيْهَا ظَنُّهُ ، وَلَا تَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا تُهْمَةٌ ، وَإِنْ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى الَمُقَامِ مَعَهُمَا". وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَزُولُ الْكَفَالَةُ حَتَّى تَتَزَوَّجَ ، وَتُخَيَّرُ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى الْمُقَامِ مَعَ