فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 8432

إِلَى أَنَّ حُكْمَ الدِّبَاغَةِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ: لِأَنَّ الدِّبَاغَةَ رُخْصَةٌ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا مَوْقُوفًا عَلَى النَّصِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمَعْنَى فِي الشَّثِّ وَالْقَرَظِ أَنَّهُ مُنَشَّفٌ مُجَفَّفٌ بِكُلِّ شَيْءٍ كَانَ فِيهِ تَنْشِيفُ الْجِلْدِ وَتَجْفِيفُهُ جَازَتْ بِهِ الدِّبَاغَةُ حَتَّى بِالشَّمْسِ وَالنَّارِ ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمَعْنَى فِي الشَّثِّ وَالْقَرَظِ أَنَّهُ يُحْدِثُ فِي الْجِلْدِ أَرْبَعَةَ أَوْصَافٍ: أَحَدُهَا: تَنْشِيفُ فُضُولِهِ الطَّاهِرَةِ وَرُطُوبَتِهِ الْبَاطِنَةِ . وَالثَّانِي: تَطْيِيبُ رِيحِهِ وَإِزَالَةُ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْ سُهُوكَةٍ وَنَتَنٍ . وَالثَّالِثُ: نَقْلُ اسْمِهِ مِنَ الْإِهَابِ إِلَى الْأَدِيمِ وَالسِّبْتِ وَالدَّارِشِ . وَالرَّابِعُ: بَقَاؤُهُ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ ، فَكُلُّ شَيْءٍ أَثَّرَ فِي الْجِلْدِ هَذِهِ الْأَوْصَافَ الْأَرْبَعَةَ مِنَ الْعَفْصِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ جَازَتْ بِهِ الدِّبَاغَةُ ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّثِّ وَالْقَرَظِ وَهَذَا صَحِيحٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا أَثَّرَ الشَّثُّ وَالْقَرَظُ هَذِهِ الْأَوْصَافَ الْأَرْبَعَةَ لَمْ يَكُنِ اعْتِبَارُ بَعْضِهَا بِالدِّبَاغَةِ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ فَصَارَ جَمِيعُهَا مُعْتَبَرًا وَلَمْ يَكُنْ حُكْمُهَا عَلَى الشَّثِّ وَالْقَرَظِ مَقْصُودًا ؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِهَا مَوْجُودَةٌ . وَالثَّانِي: أَنَّ الدِّبَاغَةَ عُرْفٌ فِي الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي عُرْفِهِمْ مَقْصُورًا عَلَى الشَّثِّ وَالْقَرَظِ ، كَمَا قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ لِاخْتِلَافِ عَادَتِهِمْ فِي الْبِلَادِ وَلَا اقْتَصَرُوا فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ التَّجْفِيفِ بِالشَّمْسِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَصَارَ كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ مَدْفُوعَيْنِ بِعُرْفِ الْكَافَّةِ وَمَعْهُودِ الْجَمِيعِ ، فَثَبَتَ بِهَذَا جَوَازُ الدِّبَاغَةِ بِمَا سِوَى الشَّثِّ وَالْقَرَظِ إِذَا حَدَثَ فِي الْجِلْدِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْأَوْصَافِ الْأَرْبَعَةِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ شَرْطًا في الدباغة فِيهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ شَرْطًا فِيهَا وَيَجْرِي الِاقْتِصَارُ فِيهَا عَلَى مَذْرُورَاتِ الدِّبَاغَةِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُنْشَقَّةِ ، فَإِذَا دُبِغَ الْجِلْدُ طَهُرَ وَجَازَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -:"أَوَلَيْسَ فِي الشَّثِّ وَالْقَرَظِ مَا يُذْهِبُ رِجْسَهُ وَنَجَسَهُ"فَجَعَلَ مُجَرَّدَ الشَّثِّ وَالْقَرَظِ مُذْهِبًا لِرِجْسِهِ وَنَجَسِهِ وَلِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَطْهُرُ بِانْقِلَابِهِ ، فَلَيْسَ لِطَهَارَتِهِ إِلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ يَطْهُرُ بِهِ كَالْخَمْرِ إِذَا انْقَلَبَ خَلًّا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ فِي الدِّبَاغَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا لِرِوَايَةِ مَيْمُونَةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت