قَالَتْ: مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ . فَقَالَ: يُطَهِّرُ الْمَاءُ وَالْقَرَظُ"فَأَحَالَ تَطْهِيرَهُ عَلَى الْمَاءِ وَالْقَرَظِ ، وَلِأَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ أَغْلَظُ تَنْجِيسًا وَالْمَاءَ أَقْوَى تَطْهِيرًا ، فَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ أَخَصَّ ، فَعَلَى هَذَا فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ في الدباغة وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي إِنَاءِ الدِّبَاغَةِ لِيَلِينَ الْجِلْدُ بِالْمَاءِ ، فَيَصِلُ عَمَلُ الشَّثِّ وَالْقَرَظِ إِلَى جِمِيعِ أَجْزَاءِ الْجِلْدِ ، فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي تَنْشِيفِهَا وَتَطْهِيرِهَا ، فَيَصِيرُ دِبَاغَةُ الْجِلْدِ وَتَطْهِيرُهُ بِهَا جَمِيعًا مَعًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ بَعْدَ الدِّبَاغَةِ لِيَخْتَصَّ الشَّثُّ وَالْقَرَظُ بِدِبَاغَتِهِ وَيَخْتَصَّ الْمَاءُ بِتَطْهِيرِهِ ، فَيَصِيرُ بَعْدَ الدِّبَاغَةِ وَقَبْلَ الْغَسْلِ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الدِّبَاغَةُ بِمَا كَانَ نَجِسًا مِنَ الشَّثِّ وَالْقَرَظِ ، فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ ، وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجْعَلُ طَهَارَةَ الْجِلْدِ مُخْتَصَّةً بِالشَّثِّ وَالْقَرَظِ دُونَ الْمَاءِ ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَرْتَفِعُ بِالنَّجَاسَةِ إِذْ مَا لَا يَرْفَعُ نَجَاسَةَ نَفْسِهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَرْفَعَ نَجَاسَةَ غَيْرِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الدِّبَاغَةَ بِهَا جَائِزَةٌ ، وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجْعَلُ طَهَارَةَ الْجَلْدِ مُخْتَصَّةً بِالْمَاءِ ؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الشَّثِّ وَالْقَرَظِ فِي الْجِلْدِ وَإِنْ كَانَ نَجِسًا كَتَأْثِيرِهِ وَهُوَ طَاهِرٌ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِالْمُلَاقَاةِ نَجِسًا فَعَلَى هَذَا إِذَا انْدَبَغَ بِهِ لَمْ يَطْهُرْ إِلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ .
فَصْلٌ: وَالدِّبَاغَةُ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى فِعْلِ فَاعِلٍ ؛ لِأَنَّ مَا طَرِيقُهُ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى فِعْلٍ ، كَالسَّيْلِ إِذَا مَرَّ بِنَجَاسَةٍ فَأَزَالَهَا طَهُرَ مَحَلُّهَا ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَفْتَقِرْ إِزَالَتُهَا إِلَى نِيَّةٍ النجاسة بِخِلَافِ الْحَدَثِ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَطَارَتِ الرِّيحُ جِلْدَ مَيْتَةٍ وَأَلْقَتْهُ فِي الْمَدْبَغَةِ فَانْدَبَغَ صَارَ طَاهِرًا ، فَأَمَّا إِنْ أَخَذَ رَجُلٌ جِلْدَ مَيْتَةِ غَيْرِهِ فَدَبَغَهُ فمن يملكه فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ يَكُونُ مِلْكًا لِرَبِّهِ أَوْ لِدَابِغِهِ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: