وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيدُ: أَنَّ حُكْمَ الْوَاقِفِ وَالْجَالِسِ وَاحِدٌ ، وَأَنَّ دِيَةَ الْعَاثِرِ هَدَرٌ وَدِيَةَ الْجَالِسِ عَلَى عَاقِلَةِ الْعَاثِرِ ، لِأَنَّ عُرْفَ النَّاسِ جَارٍ بِجُلُوسِهِمْ فِي الطُّرُقَاتِ كَمَا تَقِفُونَ فِيهَا . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ اخْتِلَافُ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ أَوِ الْجَدِيدِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ ، فَالْقَدِيمُ الَّذِي أَوْجَبَ فِيهِ دِيَةَ الْعَاثِرِ عَلَى الْجَالِسِ إِذَا جَلَسَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقَةٍ يُؤْذِي بِجُلُوسِهِ الْمَارَّةَ ، وَلَوْ كَانَ بَدَلُ جُلُوسِهِ فِيهِ قَائِمًا وَقِيَامُهُ مُضِرٌّ بِالْمَارَّةِ كَانَ فِي حُكْمِ الْجَالِسِ ، فَيَضْمَنُ دِيَةَ الْعَاثِرِ . وَالْجَدِيدُ الَّذِي أَسْقَطَ فِيهِ دِيَةَ الْعَاثِرِ إِذَا كَانَ الْجَالِسُ قَدْ جَلَسَ فِي طَرِيقٍ وَاسِعَةٍ لَا يَضُرُّ جُلُوسُهُ بِالْمَارَّةِ: لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَجِدُونَ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقَاتِ الْوَاسِعَةِ بُدًّا ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ نَائِمًا: لِأَنَّ مَحِلَّ النَّوْمِ وَالْجُلُوسِ يَتَقَارَبَانِ ، وَإِذَا انْهَدَرَتْ دِيَةُ الْعَاثِرِ بِالنَّائِمِ وَالْجَالِسِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَنْهَدِرَ بِالْوَاقِفِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَإِذَا اصْطَدَمَتِ السَّفِينَتَانِ وَتَكَسَّرَتَا أَوْ إِحْدَاهُمَا فَمَاتَ مَنْ فِيهِمَا فَلَا يَجُوزُ فِيهَا إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَضْمَنَ الْقَائِمُ بِهِمَا فِي تِلْكَ الْحَالِ نِصْفَ كُلِّ مَا أَصَابَتْ سَفِينَتُهُ لِغَيْرِهِ أَوْ لَا يَضْمَنَ بِحَالٍ إِلَّا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى تَصْرِيفِهَا بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ يُطِيعُهُ فَأَمَّا إِذَا غَلَبَتْهُ فَلَا يَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي يُصَرِّفُهَا أَنَّهَا غَلَبَتْهُ بِرِيحٍ أَوْ مَوْجٍ وَإِذَا ضَمِنَ غَيْرَ النُّفُوسِ فِي مَالِهِ ضَمِنَتِ النُّفُوسَ عَاقِلَتُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَيَكُونَ ذَلِكَ فِي عُنُقِهِ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ لَا ضَمَانَ إِلَّا أَنْ يُمْكِنَ صَرْفُهَا . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي سَفِينَتَيْنِ سَائِرَتَيْنِ اصْطَدَمَتَا فَتَكَسَّرَتَا وَغَرِقَتَا ، وَهَلَكَ مَنْ فِيهِمَا مِنَ النَّاسِ ، وَتَلِفَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ ، فَلَهُمَا حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا تَفْرِيطٌ . وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُمَا تَفْرِيطٌ . فَإِنْ كَانَ مَلَّاحُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ السَّفِينَتَيْنِ الْمُدَبِّرُ لِسَيْرِهَا مُفَرِّطًا وَتَفْرِيطُهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ ، مِنْهَا: أَنْ يُقَصِّرَ فِي آلَتِهَا ، أَوْ يُقَلِّلَ مِنْ أَجْزَائِهَا ، أَوْ يَزِيدَ فِي حَمْلِهَا ، أَوْ يُسَيِّرَهَا فِي شِدَّةِ رِيحٍ لَا يَسَارُ فِي مِثْلِهَا ، أَوْ يَغْفُلَ عَنْهَا فِي وَقْتِ ضَبْطِهَا ، فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا شَاكَلَهُ تَفْرِيطٌ يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ ، وَإِذَا وَجَبَ الضَّمَانُ بِالتَّفْرِيطِ تَعَلَّقَ بِفَصْلَيْنِ: