فهرس الكتاب

الصفحة 6005 من 8432

وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْقَسَامَةِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي حَقِّ الدِّمَاءِ ، فَكَانَ مُقْتَضَى هَذَا الْمَعْنَى وُجُوبَ الدِّيَةِ وَسَقْطَ الْقَوَدِ . فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ ، فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ فِي إِشَاطَةِ الدَّمِ وَوُجُوبِ الْقَوَدِ ، فَإِنْ كَانَتِ الْقَسَامَةُ فِي الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ ، قُتِلَ قَوَدًا . وَإِنْ كَانَتْ عَلَى جَمَاعَةٍ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي عَدَدِ مَنْ يُقْتَلُ . فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّهُ تُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ وَإِنْ كَثُرُوا ، إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَشْتَرِكُوا: لِأَنَّ الْقَسَامَةَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَوَدِ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيِّنَةِ . وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَقْتُلُ بِهِ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْنِ . وَحَكَاهُ أَبُو ثَوْرٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ . وَحَكَى الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَوْلًا لِنَفْسِهِ: أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ . وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ حَقْنًا لِلدِّمَاءِ ، وَلِضَعْفِ الْقَسَامَةِ عَنِ الْبَيِّنَةِ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَأَجْعَلُ لِلْوَلِيِّ بَعْدَ أَيْمَانِهِ الْخِيَارَ فِي قَتْلِ أَيِّ الْجَمَاعَةِ شَاءَ ، فَإِذَا قُتِلَ أَحَدُهُمْ أُخِذَ مِنَ الْبَاقِي أَقْسَاطُهُمْ مِنَ الدِّيَةِ . وَإِنْ قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي - وَهُوَ الْجَدِيدُ -: أَنَّ الْقَوَدَ سَاقِطٌ فِي الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ ، فَالدِّيَةُ الْمُسْتَحَقَّةُ بِالْقَسَامَةِ وَتَكُونُ مُغَلَّظَةً ، حَالَّةً فِي مَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، إِنْ تَفَرَّدَ بِهَا وَاحِدٌ غَرِمَ جَمِيعَهَا ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً تَقَسَّطَتْ عَلَى أَعْدَادِهِمْ بِالسَّوِيَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَسَوَاءٌ كَانَ بِهِ جُرْحٌ أَوْ غَيْرُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ لِلْوَلِيِّ أَنَّهُ يُقْسِمُ فِي الْقَتْلِ ، سَوَاءٌ كَانَ بِهِ أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْسِمُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ أَثَرُ جُرْحٍ . فَإِنْ لَمْ يُكَنْ بِهِ أَثَرُ جُرْحٍ ، وَخَرَجَ الدَّمُ مِنْ أُذُنِهِ أَقْسَمَ . وَإِنْ خَرَجَ مَنْ أَنْفِهِ لَمْ يُقْسِمْ: لِأَنَّ عَدَمَ الْأَثَرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَوْتٍ وَمِنْ قَتْلٍ ، وَخُرُوجَ الدَّمِ مِنَ الْأَنْفِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رُعَافٍ أَوْ خَنْقٍ ، فَضَعُفَتِ الدَّعْوَى وَسَقَطَتِ الْقَسَامَةُ . وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنَ الْمَوْتِ أَنْ يَكُونَ بِأَسْبَابٍ حَادِثَةٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَادِثٍ ، وَمَوْتُ الْفُجَاءَةِ نَادِرٌ ، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ مَرَضٌ صَارَ الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّهُ بِحَادِثِ الْقَتْلِ ، فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى نَادِرَةِ الْفُجَاءَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَتْلَ قَدْ يَكُونُ تَارَةً بِالْجُرْحِ وَالْأَثَرِ ، وَيَكُونُ تَارَةً بِالْخَنْقِ وَالْإِمْسَاكِ لِلنَّفْسِ ، وَبِعَصْرِ الْأُنْثَيَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَثَرٍ ، وَإِذَا كَانَ بِهِمَا وَجَبَ أَنْ تَسْتَوِيَ الْقَسَامَةُ فِيهِمَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت