وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ -: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ يَرْمِيَ حَائِطًا بِسَهْمٍ أَوْ حَجَرٍ ، فَيَعُودُ السَّهْمُ أَوِ الْحَجَرُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ . فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ شَرْطًا فِي قَتْلِ الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ . الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَقُولَ:"وَلَا وَصَلَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ". وَقَدْ فَسَّرَ الشَّافِعِيُّ مَا مَعْنَاهُ: أَنْ يَرْمِيَ حَجَرًا فَيُصِيبَ حَجَرًا فَيَنْقَطِعَ الثَّانِي ، فَيَقَعَ عَلَى ذَلِكَ فَيَقْتُلَهُ . وَهَذَا شَرْطٌ فِي الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ . الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَقُولَ:"وَلَا أَحْدَثَ شَيْئًا مَاتَ مِنْهُ"، وَقَدْ فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ بِحَفْرِ الْبِئْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ، فَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ مَنْ مَاتَ مِنْهُ . وَهَذَا شَرْطٌ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ ، فَتَكُونُ هَذِهِ الشُّرُوطُ السِّتَّةُ يَلْزَمُ مِنْهَا فِي قَتْلِ الْعَمْدِ مَا اخْتَصَّ بِهِ ، وَفِي قَتْلِ الْخَطَأِ مَا اخْتَصَّ بِهِ ، وَهِيَ غَايَةُ الشُّرُوطِ الَّتِي يُحْتَاطُ بِهَا فِي الْأَيْمَانِ ، فَإِنْ قِيلَ: يَجِبُ أَنْ تَكُونَ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا أَنْكَرَ مُوَافِقَةً لِدَعْوَى الْمُدَّعِي إِذَا فَسَّرَ ، فَلَمْ يَحْتَجْ فِي يَمِينِ إِنْكَارِهِ إِلَى زِيَادَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُدَّعِي فِي تَفْسِيرِهِ ؛ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ فِي الدَّعْوَى الْمُطْلَقَةِ دُونَ الْمُفَسَّرَةِ ، وَهُوَ لَا يَرَى سَمَاعَهَا إِلَّا مُفَسَّرَةً . فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السَّمَاعِ لِلدَّعْوَى مُطَلَقَةً غَيْرَ مُفَسَّرَةٍ . وَجَعَلُوا ذَلِكَ قَوْلًا ثَانِيًا لِلشَّافِعِيِّ ، فَخَرَّجُوا سَمَاعَ الدَّعْوَى مُطْلَقَةً فِي الدَّمِ عَلَى قَوْلَيْنِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ فِي الْقَسَامَةِ إِلَّا مُفَسَّرَةً: لِاحْتِيَاجِ الْمُدَّعِي إِلَى الْحَلِفِ عَلَيْهَا ؛ وَإِنَّمَا أَخْرَجُوهُ فِيمَا عَدَا الْقَسَامَةِ وَلَوْ فُسِّرَتِ الدَّعْوَى لَمَا تَجَاوَزَ الْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّعْوَى . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّافِعِيَّ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الدَّعْوَى الْمُفَسَّرَةِ فِي الدِّمَاءِ خَاصَّةً: لِأَنَّ دَعْوَى الدَّمِ حَقُّ الْمَقْتُولِ ، فَإِنِ انْتَقَلَ إِلَى دَلِيلٍ اسْتَظْهَرَ الزَّائِدَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَلِيُّهُ . وَهُوَ لَا يَرَى سَمَاعَهَا مُطْلَقَةً ، وَشَرَطَ فِي الْيَمِينِ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّعْوَى عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَلِيُّهُ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ فِي حَقِّ طِفْلٍ أَوْ غَائِبٍ ، إِذَا ادَّعَى لَهُ الْقَتْلَ وَلِيٌّ أَوْ وَكِيلٌ ، فَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ أَنْ يَسْتَظْهِرَ فِي الْيَمِينِ لَهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَلِيُّهُ أَوْ وَكِيلُهُ ، وَلَوْ كَانَتِ الدَّعْوَى لِحَاضِرٍ جَائِزِ الْأَمْرِ لَمْ يَسْتَظْهِرْ لَهُ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ ؛ كَالْبَيِّنَةِ إِذَا قَامَتْ بَدَيْنٍ عَلَى طِفْلٍ أَوْ غَائِبٍ اسْتَظْهَرَ الْحَاكِمُ بِإِحْلَافِ صَاحِبِ الدَّيْنِ أَنَّهُ مَا قَبَضَهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ ، وَلَوْ قَامَتْ عَلَى حَاضِرٍ جَائِزِ الْأَمْرِ لَمْ يَحْلِفْ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَدَّعِيَهُ الْحَاضِرُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَلَوْ لَمْ يَزِدْهُ السُّلْطَانُ عَلَى حَلِفِهِ بِاللَّهِ أَجْزَأَهُ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ الْأَيْمَانَ بِاللَّهِ".