بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْجِنَايَةِ . مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَلَا يُقْبَلُ فِي الْقَتْلِ وَجِرَاحِ الْعَمْدِ وَالْحُدُودِ سِوَى الزِّنَا ، إِلَّا عَدْلَانِ"قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الشَّهَادَةُ فَتَنْقَسِمُ عَلَى أَقْسَامٍ - مَوْضِعُ اسْتِيفَائِهَا ، كِتَابُ الشَّهَادَاتِ - وَنَحْنُ نَذْكُرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الشَّهَادَةِ فِي الْجِنَايَاتِ . وَالْجِنَايَاتُ ضَرْبَانِ: عَمْدٌ يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، وَخَطَأٌ يُوجِبُ الْمَالَ ، فَأَمَّا الْعَمْدُ الْمُوجِبُ لِلْقِصَاصِ فَلَا تَثْبُتُ الْبَيِّنَةُ فِيهِ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، وَلَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، كَالْحُدُودِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسٍ أَوْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا يُقْبَلُ فِي النَّفْسِ إِلَّا أَرْبَعَةُ شُهُودٍ كَالزِّنَى الشهادة على الجناية: لِأَنَّهَا إِمَاتَةُ نَفْسٍ ، وَيُقْبَلُ فِيمَا دُونَهَا شَاهِدَانِ ، كَالْحُدُودِ . وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْبَلُ فِيمَا قَلَّ مَنِ الْجِرَاحِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ ، وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا كَثُرَ إِلَّا شَاهِدَانِ: لِخِفَّةِ الْقَلِيلِ وَتَغْلِيظِ الْكَثِيرِ ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ . وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ فِي كِتَابِهِ عَلَى ثَلَاثِ شَهَادَاتٍ ، خَالَفَ بَيْنَ أَحْكَامِهَا وَجَعَلَهَا أُصُولًا لِمَا أَغْفَلَهُ: لِيَكُونَ الْمُغْفَلُ فَرْعًا مُلْحَقًا بِأَصْلِهِ فِيهَا ، فَنَصَّ عَلَى أَرْبَعَةِ شُهُودٍ فِي الزِّنَى ، وَنَصَّ عَلَى شَاهِدَيْنِ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ ، وَنَصَّ عَلَى شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ ، وَأَغْفَلَ الشَّهَادَةَ فِي الْجِنَايَاتِ فَصَارَتْ فَرْعًا لِإِحْدَاهَا ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الزِّنَى: لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تُحْمَلْ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، لَمْ تُحْمَلْ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ ، لِوُجُوبِ تَسَاوِيهِمَا ، كَمَا اسْتَوَى حُكْمُ الزِّنَى فِي مَا أَوْجَبَ الرَّجْمَ وَمَا أَوْجَبَ الْجَلْدَ ، فَبَطَلَ بِهِ قَوْلُ الْحَسَنِ . وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَمْوَالِ: لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهَا فِيمَا كَثُرَ لَمْ تُحْمَلْ عَلَيْهَا فِيمَا قَلَّ: لِاسْتِوَاءِ حُكْمِ الْأَمْوَالِ فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ ، فَبَطَلَ بِهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ . فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْأَصْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ الشَّاهِدَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ فِيمَا كَثُرَ وَقَلَّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَيُقْبَلُ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ وَيَمِينٌ وَشَاهِدٌ فِيمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ ، مِثْلَ الْجَائِفَةِ وَجِنَايَةِ مَنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْتُوهٍ وَصَبِيٍّ وَمُسْلِمٍ عَلَى كَافِرٍ وَحُرٍّ عَلَى عَبْدٍ وَأَبٍ عَلَى ابْنٍ: لِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، كُلُّ جِنَايَةٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ فِيهَا وَأَوْجَبَتِ الدِّيَةَ قُبِلَ