فهرس الكتاب

الصفحة 6108 من 8432

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَسْمِيَةُ ذَمٍّ ، سَمَّاهُمْ بِهِ أَهْلُ الْعَدْلِ: لِأَنَّهُمْ شَرَوْا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَحَارَبُوا جَمَاعَتَهُمْ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَسْمِيَةُ حَمْدٍ ، سَمَّوْا بِهَا أَنْفُسَهُمْ: لِأَنَّهُمْ شَرَوُا الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ، أَيْ: بَاعُوهَا . فَإِذَا اعْتَقَدَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَظَهَرَ مُعْتَقَدُهُمْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ ، وَهُمْ بَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ غَيْرُ مُنَابِذِينَ لَهُمْ وَلَا مُتَجَرِّئِينَ عَلَيْهِمْ ، تُرِكُوا عَلَى حَالِهِمْ ، وَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ وَلَا قِتَالُهُمْ ، وَلَمْ يُؤْخَذُوا جَبْرًا بِالِانْتِقَالِ عَنْ مَذْهَبِهِمْ ، وَالرُّجُوعِ عَنْ تَأْوِيلِهِمْ ، وَعُدِلَ إِلَى مُنَاظَرَتِهِمْ وَإِبْطَالِ شُبْهَتِهِمْ بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ ، وَإِنْ كَانُوا عَلَيْهَا مُقِرِّينَ . فَقَدْ أَقَرَّهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يَعْتَزِلُوهُ ، وَسُمِعَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ تَعْرِيضًا بِهِ فِي تَحْكِيمِهِ يَوْمَ صِفِّينَ . فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ . وَهَذَا أَحْسَنُ جَوَابٍ لِمَنْ عَرَّضَ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ . ثُمَّ قَالَ: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ: لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ ، وَلَا نَمْنَعُكُمُ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا ، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ . فَجَعَلَ هَذِهِ الْأَحْكَامَ فِيهِمْ كَهِيَ فِي أَهْلِ الْعَدْلِ ، وَاقْتَضَى فِي ذَلِكَ سِيرَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُنَافِقِينَ فِي كَفِّهِ عَنْهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِمُعْتَقَدِهِمْ: لِتَظَاهُرِهِمْ بِطَاعَتِهِ مَعَ اسْتِبْطَانِ مَعْصِيَتِهِ . فَإِنْ صَرَّحَ الْخَوَارِجُ بِسَبِّ الْإِمَامِ ، وَسَبِّ أَهْلِ الْعَدْلِ ، عُزِّرُوا لِلْأَذَى وَذَبًّا عَنْ مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ . وَإِنْ عَرَّضُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ ، فَفِي تَعْزِيرِهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُعَزَّرُونَ: لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُعَزِّرْ مَنْ عَرَّضَ ، لِفَرْقِ مَا بَيْنَ التَّعْرِيضِ وَالتَّصْرِيحِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ يُعَزَّرُونَ: لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عَلَى التَّعْرِيضِ مُفْضٍ إِلَى التَّصْرِيحِ ، فَكَانَ التَّعْزِيرُ حَاسِمًا لِمَا بَعْدَهُ مِنَ التَّصْرِيحِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَلَوْ قَتَلُوا وَالِيَهُمْ أَوْ غَيْرَهُ قَبْلَ أَنْ يُنَصِّبُوا إِمَامًا أَوْ يُظْهِرُوا حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْإِمَامِ ، كَانَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْقِصَاصُ ، قَدْ سَلَّمُوا وَأَطَاعُوا وَالِيًا عَلَيْهِمْ مِنْ قِبَلِ عَلِيٍّ ثُمَّ قَتَلُوهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنِ ادْفَعُوا إِلَيْنَا قَاتِلَهُ نَقْتُلُهُ بِهِ ، قَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ . قَالَ: فَاسْتَسْلِمُوا نَحْكُمُ عَلَيْكُمْ . قَالُوا: لَا . فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ فَأَصَابَ أَكْثَرَهُمْ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت